أبشر حسين يكتب: السودان والرهان: من «شخطك بخت» إلى رهانات دار الرياضة

السودان والرهان: من «شخطك بخت» إلى رهانات دار الرياضة
أبشر حسين
لا أزال أذكر، ونحن صغار في المرحلة الابتدائية، كيف كنا نذهب في الأعياد إلى سوق أم درمان، الذي كان عامرًا بالحركة والدهشة ومظاهر الفرح في ذلك الزمان. وكان أكثر ما يستهوينا شراء صناديق «شخطك بخت»، بالقرب من محلات باتا المطلة على جامع أم درمان الكبير.
كان ثمن الصندوق، على ما أذكر، تعريفة أو قرشًا واحدًا. تشتري الصندوق وتفتحه، فإذا بك أمام مفاجأة لا تعرفها مسبقًا؛ فقد تجد لعبة من ألعاب الأطفال، أو بالونة، وقد يحالفك الحظ فتجد شيئًا ثمينًا، مثل ساعة. وهكذا كانت اللعبة تقوم على المفاجأة والحظ؛ تدفع مبلغًا معلومًا، لكنك لا تعرف قيمة ما ستحصل عليه إلا بعد فتح الصندوق.
ولعل هذا هو سر الاسم الطريف الذي ارتبطت به اللعبة في ذاكرتنا: «شخطك بخت»؛ فأنت لا تعرف ما الذي تخبئه لك حتى تجرب حظك وتفتح الصندوق. كانت تلك واحدة من وسائل التسلية التي عرفناها في طفولتنا، لكنها، في الوقت نفسه، كانت تقوم على فكرة الحصول على جائزة متفاوتة القيمة مقابل مبلغ محدد، مع ترك النتيجة للحظ.
توتو كورة: المراهنات الرياضية المنظمة:
أما في سبعينيات القرن الماضي، فقد عرف السودان شكلًا آخر من أشكال المراهنات، أكثر تنظيمًا واتساعًا، عُرف باسم «توتو كورة».
كانت هذه المراهنات تُنظَّم، بحسب ما أذكر، بواسطة جهة حكومية تتبع لوزارة الشباب والرياضة. وكانت تقوم على شراء كبونات بمبالغ محددة، ثم تخمين نتائج مجموعة من مباريات كرة القدم المدرجة في القائمة الأسبوعية.
وأذكر أن القائمة كانت تضم نحو احدى عشر مباراة ، تُقام في مناطق مختلفة من السودان، وتشمل فرقًا من درجات كروية متعددة. ومن أسماء الفرق التي لا تزال عالقة بذاكرتي «وطن أم الطيور» و«ساردية شندي».
كان المشارك يملأ الكبون باختيار الفرق التي يتوقع فوزها في المباريات المحددة، ثم ينتظر النتائج، آملًا أن تصيب توقعاته ويحصل على جائزة مالية. وكانت الجوائز تُصرف نقدًا، وكانت، بحسب ما أذكر، كبيرة ومغرية.
ولم تكن المشاركة في «توتو كورة» تتطلب الذهاب إلى مؤسسة مركزية؛ فقد كانت الكبونات تُباع في أكشاك موزعة على الأحياء، في مواقع بارزة بمواجهات الشوارع الرئيسية. وأذكر من ذلك الأكشاك الموجودة على شارع الموردة بأم درمان، حيث كان بإمكان الناس شراء الكبونات والمشاركة في هذه المراهنات.
وهكذا أصبحت «توتو كورة» جزءًا معروفًا من المشهد الرياضي في السودان خلال تلك الفترة، إذ ارتبطت بمتابعة مباريات كرة القدم وبالتطلع إلى الفوز بجوائز مالية من خلال توقع النتائج.
الكرتلة والرهانات الجانبية في دار الرياضة بأم درمان:
ولم تقتصر المراهنات على «توتو كورة»، بل عرفت دار الرياضة بأم درمان أشكالًا أخرى من الرهان، ارتبطت بأجواء المباريات والحضور الجماهيري.
من بين هذه الممارسات ما عُرف باسم «الكرتلة»، وهي نوع من الرهان الجماعي يشترك فيه نحو ثلاثين أو أربعين شخصًا. يدفع كل مشارك مبلغًا معينًا، ويختار رمزًا من رموز الكرتلة، ثم يفوز أحد المشتركين بالمبلغ المالي كله، وفقًا لنظام هذه اللعبة.
كانت الكرتلة، بهذا المعنى، تقوم على مساهمات مجموعة من المشاركين، يتنافس أفرادها على الفوز بمجموع المبالغ المدفوعة، بحيث يذهب المبلغ كله إلى فائز واحد.
وكانت هناك أيضًا رهانات جانبية ترتبط بأحداث المباراة نفسها. فقد يراهن بعض الحاضرين على الفريق الذي سيحصل على أول ضربة ركنية، أو على احتساب أول ضربة جزاء «بلنتي»، أو على الفريق الذي سيحرز الهدف الأول، أو على وقوع أول حالة تسلل، وغير ذلك من أحداث اللعب.
وهكذا لم يكن بعض المتفرجين يكتفون بمتابعة المباراة وتشجيع فرقهم، بل كانت تفاصيل اللعب تتحول إلى موضوعات للمراهنة؛ فأصبحت الركنية والبلنتي والهدف والتسلل أحداثًا ينتظرها بعض الحاضرين، ليس فقط لما لها من أثر في المباراة، وإنما أيضًا لما قد يترتب عليها من مكسب أو خسارة مالية.
الكوتشينة في الأندية الرياضية:
ومن الظواهر الأخرى التي أتذكر انتشارها في كثير من الأندية الرياضية، خاصة خلال شهر رمضان، جلسات لعب الورق، أو ما يُعرف بـ«الكوتشينة»، التي كانت تمتد أحيانًا إلى ساعات متأخرة من الليل.
وكانت هذه الجلسات جزءًا من الحياة الاجتماعية في الأندية، حيث يجتمع الأصدقاء والمعارف لقضاء الوقت وممارسة الألعاب الورقية. وكانت بعض هذه الجلسات تتضمن مراهنات مالية، وهو ما يميزها عن مجرد لعب الورق للتسلية وتمضية الوقت.
من ذاكرة أم درمان إلى التاريخ الاجتماعي:
عندما نستعيد هذه المشاهد اليوم، فإننا لا نتذكر مجرد ألعاب أو رهانات مضت، وإنما نستعيد جانبًا من الحياة الاجتماعية في السودان، وخصوصًا في أم درمان، خلال عقود سابقة.
فمن صناديق «شخطك بخت» التي كنا نشتريها في الأعياد، إلى كبونات «توتو كورة» التي كانت تُباع في أكشاك الأحياء، وصولًا إلى الكرتلة والرهانات الجانبية في دار الرياضة، تعددت صور المراهنة واختلفت أماكنها وطرائق ممارستها.
واللافت أن هذه الصور لم تكن كلها على مستوى واحد؛ فهناك لعبة بسيطة ارتبطت بذكريات الطفولة، وهناك مراهنات رياضية منظمة ذات جوائز نقدية، وهناك رهانات جماعية وفردية ارتبطت بالمباريات ومجالس الأندية.
وقد تراجع حضور كثير من هذه المظاهر بصورتها القديمة، أو اختفى، بينما تغيرت أشكال أخرى مع تغير الزمن ووسائل الترفيه.
إن استعادة هذه الذكريات ليست دعوة إلى تمجيد المراهنات، ولا محاولة لإصدار الأحكام على المجتمع الذي عرفها، وإنما هي محاولة لتوثيق جانب من حياتنا الاجتماعية كما عشناها وشهدناها.
فالتاريخ الاجتماعي لا يُكتب فقط من خلال الأحداث السياسية الكبرى، ولا من خلال سير الحكام والزعماء، وإنما يُكتب أيضًا من خلال الأسواق والأندية والشوارع والألعاب والعادات اليومية التي شكّلت حياة الناس وذاكرتهم.
وربما تبدو هذه التفاصيل صغيرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة إلى من عاشوا تلك الأيام تمثل جزءًا من تاريخ المدن والمجتمعات؛ تاريخًا لا نجده دائمًا في الكتب، لكنه يظل حيًا في ذاكرة الذين عاصروه.



