بين إسلامية حيدر إبراهيم وإسلامية التجاني عبدالقادر حامد.. من نقد التجربة إلى مساءلة المشروع الإسلامي السوداني

بين إسلاموية حيدر إبراهيم وإسلامية التجاني عبدالقادر حامد.. من نقد التجربة إلى مساءلة المشروع الإسلامي السوداني
عثمان شيخ الدين عكرة
ليس الخلاف بين المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي والمفكر الإسلامي التجاني عبدالقادر حامد خلافاً عابراً حول تجربة سياسية أخفقت، ولا هو مجرد اختلاف بين رجل ينقد الإسلام السياسي من خارجه وآخر يحاول مراجعة تجربته من داخل مرجعيتها الفكرية. إننا أمام مدخلين مختلفين لقراءة واحدة من أعقد التجارب السياسية والفكرية في تاريخ السودان الحديث: تجربة الحركة الإسلامية التي انتقلت من المعارضة والدعوة والتنظيم إلى الاستيلاء على الدولة، ثم وجدت نفسها أمام أسئلة لم تستطع الشعارات وحدها الإجابة عنها.
عثمان عكرة يكتب: محافظ التمويل الزراعي.. هل النيل الأبيض جاهزة؟
ففي كتابه «مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب السلطة وخسارة الدين»، يضع حيدر إبراهيم التجربة أمام محاكمة فكرية وأخلاقية وسياسية، بينما يقدم التجاني عبدالقادر، في كتابه «نزاع الإسلاميين في السودان: مقالات في النقد والإصلاح»، مدخلاً لدراسة التناقضات الداخلية للحركة الإسلامية، ومحاولة فهم النزاع بين مكوناتها، وما يمكن أن يكشفه ذلك عن طبيعة المشروع وإمكانات إصلاحه.
والفارق بين الرجلين ليس في مقدار الاعتراف بوجود الأزمة فحسب، وإنما في طبيعة السؤال الذي يطرحانه، وفي النقطة التي يبدأ منها كل منهما، وفي المسافة التي يمكن أن يقطعها النقد قبل أن يصل إلى مراجعة الأصول التي تأسس عليها المشروع.
ومن هنا تبدأ المقارنة الحقيقية: هل أخفق الإسلاميون لأنهم لم يحسنوا تطبيق فكرتهم، أم أن تجربة الحكم كشفت عيوباً في الفكرة نفسها؟ وهل كان النزاع داخل الحركة الإسلامية انحرافاً عن مشروع متماسك، أم أنه تعبير عن تناقضات كامنة في بنيته منذ البداية؟
أولاً: حيدر إبراهيم.. حين تتحول الفكرة إلى سلطة وتصبح السلطة معياراً للحقيقة
ينطلق حيدر إبراهيم من موقع المفكر الذي يتعامل مع الإسلام السياسي باعتباره ظاهرة اجتماعية وسياسية تستحق الدراسة، لا باعتباره امتداداً تلقائياً للدين أو التعبير الوحيد عن حضوره في المجال العام.
وهذا التمييز جوهري؛ لأن الحركة السياسية، مهما كانت مرجعيتها، تظل تنظيماً بشرياً تحكمه المصالح والتوازنات وصراعات القيادة، وتخضع أفكاره للاختبار عندما تنتقل من الكتب والمنابر إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها.
في مقاربته، لا تكمن المشكلة الأساسية في أن الإسلاميين رفعوا شعارات دينية، بل في الفجوة التي اتسعت بين تلك الشعارات وبين حصيلة الممارسة السياسية. فقد وعد المشروع الإسلامي بتحرير الإرادة الوطنية، وإعادة بناء المجتمع، وتحقيق النهضة، وتجاوز أزمات الدولة السودانية التي ورثتها النخب المتعاقبة. لكن الوصول إلى السلطة لم يحسم هذه الأسئلة، بل جعلها أكثر إلحاحاً.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي يحدث حين تعلن حركة سياسية أنها تحمل مشروعاً ذا مرجعية دينية، ثم تتصرف في الدولة باعتبارها صاحبة الحق الحصري في تحديد المصلحة العامة؟
في هذه الحالة، لا يعود الاختلاف معها مجرد اختلاف سياسي؛ إذ يصبح نقدها قابلاً للتصوير باعتباره اعتراضاً على الدين نفسه. وهنا تكمن خطورة الخلط بين المرجعية الدينية والاجتهاد السياسي البشري: تتحول مساءلة التنظيم إلى شبهة، ويصبح الاعتراف بالخطأ مكلفاً، وتُمنح القيادة حصانة معنوية لا تتناسب مع طبيعة سلطتها الفعلية.
ولهذا تكتسب عبارة «كسب السلطة وخسارة الدين» دلالتها النقدية؛ فهي لا تتعلق بحساب الأرباح والخسائر السياسية وحده، وإنما تضع الممارسة أمام معيارها الأخلاقي المعلن. فهل أدى امتلاك الدولة إلى تعزيز قيم العدل والرحمة والمسؤولية، أم أن السلطة أضعفت قدرة الحركة على الالتزام بما كانت تدعو إليه؟
إن قوة مقاربة حيدر تكمن في أنه لا يقبل أن تكون النوايا المعلنة بديلاً عن النتائج، ولا أن يكون الانتساب إلى مشروع ديني شهادة مسبقة بحسن الممارسة.
لكن مقاربته تطرح بدورها سؤالاً منهجياً: هل تكفي الحصيلة السلبية لتجربة الحكم للحكم على الفكرة التي استندت إليها، أم يجب التمييز بين المبادئ الدينية، والاجتهادات السياسية التي نُسبت إليها، والبنية التنظيمية التي حولتها إلى ممارسة؟
هذا التمييز لا ينقذ التجربة من النقد، بل يجعل النقد أكثر دقة. فإدانة الممارسة شيء، وتفسير أسبابها الفكرية والمؤسسية شيء آخر.
ثانياً: التجاني عبدالقادر.. محاولة فهم الأزمة من داخل المشروع
يمثل التجاني عبدالقادر مدخلاً مختلفاً، ليس لأن مجرد الانطلاق من مرجعية إسلامية يمنح صاحبه إجابات جاهزة، بل لأنه يتيح النظر إلى الحركة الإسلامية باعتبارها مشروعاً كان يحمل تصورات عن تحرير المجتمع وإعادة بنائه، ثم اصطدم عند انتقاله إلى الحكم بمشكلات الدولة الحديثة وتعقيداتها.
في كتابه «نزاع الإسلاميين في السودان»، لا يتوقف السؤال عند وقوع الانقسام، وإنما يتجه إلى تفسير النزاع نفسه: كيف تتكون الخلافات داخل جماعة تستند إلى مرجعية فكرية مشتركة؟ ولماذا تتحول الاختلافات السياسية والتنظيمية إلى صراعات عميقة؟ وما الذي تكشفه لغة الإسلاميين عن الطريقة التي يفهمون بها خلافاتهم؟
إن أهمية هذا المدخل أنه ينقلنا من تسجيل الوقائع إلى البحث عن الأنماط التي تنتظمها. فالنزاع داخل الحركة ليس مجرد خصومة بين أشخاص، كما أن الانقسام لا يمكن تفسيره دائماً بالطموح الشخصي أو اختلاف المصالح المباشرة. فقد تكون وراءه تصورات متعارضة بشأن القيادة والشرعية والدولة، وحدود الاجتهاد، وعلاقة التنظيم بالمجتمع.
ومن هذه الزاوية، يصبح الانقسام نفسه مادة لتحليل المشروع.
فإذا كانت الجماعة تنطلق من تصور موحد للحقيقة، فكيف تتعامل مع تعدد الاجتهادات؟ وإذا كانت تقدم نفسها بوصفها طليعة قادرة على قيادة المجتمع، فما الضمانات التي تمنع قيادتها من تحويل هذا الادعاء إلى حق دائم في احتكار القرار؟
وإذا كانت تتحدث عن الشورى، فكيف تنظم الاختلاف داخل مؤسساتها؟ وهل تستطيع القاعدة التنظيمية مراجعة القيادة ومحاسبتها، أم أن الولاء التنظيمي يتقدم في لحظات الصراع على استقلال الرأي؟
هذه الأسئلة تكشف أن أزمة التنظيم ليست مسألة إدارية منفصلة عن الفكر. فالتصور الذي يحكم العلاقة بين الحقيقة والاختلاف يؤثر مباشرة في طريقة توزيع السلطة داخل الجماعة، وفي قدرتها على قبول النقد والتراجع عن القرارات الخاطئة.
ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين تحليل التجاني للنزاع ومحاولة اختزال مشروعه كله في فكرة الإصلاح الداخلي. فكتابه يقدم مادة لتحليل الخلافات الإسلامية، لكن الحكم على موقفه النهائي من إمكان إصلاح المشروع أو حدود هذا الإصلاح يتطلب قراءة أوسع لأعماله، لا الاكتفاء بعنوان الكتاب أو بتلخيص مواقفه في عبارات عامة.
ثالثاً: الإسلاموية والإسلامية.. الفرق بين نقد السلطة ونقد الفكرة
هنا نصل إلى الفارق الأكثر أهمية بين المقاربتين.
مصطلح «الإسلاموية» في خطاب حيدر يُستخدم للتمييز بين الإسلام بوصفه ديناً، وبين المشروع السياسي الذي يجعل من تفسير معين للإسلام أساساً لتنظيم السلطة والمجتمع.
أما الحديث عن «الإسلامية» في سياق التجاني، فيشير إلى أفق فكري يسعى إلى معالجة العلاقة بين الإسلام والتغيير الاجتماعي والسياسي، مع إمكان نقد التجربة التي رفعت هذا الشعار.
لكن المصطلحين ليسا نقيضين متطابقين. فالإسلاموية ليست اسماً لكل تفكير إسلامي في السياسة، كما أن الانطلاق من مرجعية إسلامية لا يعفي أي مشروع من المساءلة عن طبيعة الدولة التي يقترحها وعن حقوق المواطنين فيها.
وإذا أردنا اختزال الفارق التحليلي بين الرجلين، فيمكن القول إن حيدر يدفعنا إلى السؤال: ماذا فعلت الإسلاموية حين امتلكت السلطة، وما الذي تكشفه نتائجها عن علاقتها بالدين والمجتمع؟
أما مقاربة التجاني فتدفعنا إلى سؤال آخر: كيف أنتجت الحركة الإسلامية خلافاتها، وما الذي تكشفه تلك الخلافات عن بنيتها الفكرية والتنظيمية، وعن إمكان مراجعة مشروعها؟
السؤال الأول يبدأ من الحصيلة، والثاني يتجه إلى تفسير البنية التي أنتجت الحصيلة.
ولا يغني أحدهما عن الآخر. فمن الممكن أن نثبت فشل تجربة سياسية من خلال نتائجها، لكن تفسير هذا الفشل يتطلب دراسة المؤسسات والأفكار وآليات اتخاذ القرار. وبالمقابل، يمكن أن نفهم أسباب النزاع داخل تنظيم ما، من دون أن نكون قد حسمنا بعد الحكم على المشروع الذي ينتمي إليه.
ولهذا فإن الجمع بين المقاربتين يتيح نقداً أوسع من الاكتفاء بإدانة تجربة الحكم أو الدفاع عنها.
رابعاً: المفارقة السودانية.. مشروع للتحرير ينتهي إلى أزمة في الحرية
قدمت الحركة الإسلامية السودانية نفسها، في مراحل من تطورها الفكري والسياسي، باعتبارها مشروعاً للتحرر من التبعية، وإعادة بناء المجتمع، واستعادة الإرادة الوطنية، وتجاوز عجز النخب التقليدية والحديثة عن إنجاز التحول المطلوب.
ولم تكن هذه الأسئلة بلا أساس. فالسودان ورث دولة تعاني اختلالات في التنمية، وتفاوتاً بين المركز والأطراف، وأزمات في الهوية الوطنية، وصعوبة في بناء نظام سياسي مستقر يستوعب تعدده الثقافي والديني والاجتماعي.
لكن الاعتراف بمشروعية الأسئلة التي رفعتها الحركة لا يعني التسليم بصحة أجوبتها.
فالمشكلة الكبرى تبدأ عندما تتصور جماعة سياسية أن امتلاكها إجابة صحيحة عن أزمة المجتمع يمنحها الحق في احتكار السلطة، أو أن أولوية مشروعها تبرر تجاوز المؤسسات والضمانات الدستورية.
وهنا تظهر المفارقة: كيف يمكن لمشروع يرفع شعار التحرر أن يقيد حرية الاختلاف؟ وكيف يمكن لحركة تريد إعادة بناء المجتمع أن تجعل الولاء للتنظيم معياراً للفرص والمواقع؟ وكيف يمكن لخطاب يدعو إلى العدل أن يقبل بممارسة السلطة من دون رقابة مستقلة وفعالة؟
لا تكمن الإجابة في افتراض أن كل ما رفعته الحركة من شعارات كان زائفاً منذ البداية، كما لا تكمن في تبرير الممارسة باعتبارها مجرد أخطاء عارضة. المطلوب هو دراسة المسافة بين الفكرة والممارسة، ثم معرفة ما إذا كانت تلك المسافة قد نتجت عن ظروف استثنائية، أم عن اختلالات أعمق في تصور الدولة والتنظيم والشرعية.
وهنا تلتقي أهمية النقدين: حيدر يضع حصيلة السلطة أمام معيارها الأخلاقي والسياسي، والتجاني يتيح لنا فحص النزاع الداخلي بوصفه نافذة على البنية الفكرية والتنظيمية.
لكن الاختبار الحاسم هو: هل كان المشروع مستعداً لقبول المجتمع بوصفه شريكاً مستقلاً في تحديد مستقبله، أم كان ينظر إليه باعتباره مجالاً ينبغي إخضاعه لرؤية الجماعة؟
خامساً: السلطة لا تختبر الشعارات وحدها، بل تختبر نظرية الدولة
أحد أوجه القصور في كثير من المراجعات السياسية أنها تتعامل مع السلطة باعتبارها مرحلة تنفيذية تأتي بعد اكتمال الفكرة. وكأن الحركة تحتاج إلى برنامج جيد، ثم إلى قيادة مخلصة، ثم تصبح الدولة أداة لتنفيذ ذلك البرنامج.
لكن الدولة الحديثة ليست جهازاً محايداً يمكن لأي جماعة أن تستخدمه من دون أن تتأثر بطبيعة مؤسساته وقواعده ومصالحه. إنها منظومة من القانون والإدارة والمال العام والقوة المسلحة والقضاء والتعليم والعلاقات الخارجية، وتحتاج إلى قواعد مستقرة لتنظيم الاختلاف وحماية الحقوق.
ومن ثم، فإن الانتقال من الدعوة إلى الدولة يتطلب أكثر من خطاب تعبوي أو تصور أخلاقي عام. إنه يتطلب نظرية واضحة للشرعية، وتوزيع الاختصاصات، والرقابة، والمحاسبة، وحقوق المعارضة، والتداول السلمي للسلطة.
وهنا يمكن توجيه سؤال مركزي إلى التجربة الإسلامية السودانية: هل امتلك المشروع، قبل وصوله إلى الحكم، تصوراً مؤسسياً متكاملاً لإدارة دولة متعددة ومعقدة مثل السودان، أم أن الثقة بقدرة المرجعية الدينية على تقديم الحلول سبقت بناء الأدوات العملية اللازمة؟
لقد أظهرت التجربة أن امتلاك سلطة واسعة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة الدولة بكفاءة، وأن الانضباط التنظيمي لا يعوض غياب المؤسسات المستقلة، وأن وحدة المرجعية لا تحل تلقائياً مشكلات الاقتصاد والتنوع والنزاعات المسلحة والتمثيل السياسي.
وإذا كانت هذه الأسئلة تمثل اختباراً للمشروع الإسلامي، فإنها تمثل أيضاً اختباراً لأي مشروع سياسي آخر؛ فلا القومية ولا اليسارية ولا الليبرالية تعفي أصحابها من تقديم تصور واقعي للدولة والمجتمع.
إن الدرس الأهم هنا أن الدولة لا تُدار بصحة النوايا، وإنما بقواعد ومؤسسات قابلة للمراجعة والمحاسبة، وبقدرة على تصحيح الأخطاء من دون أن يتوقف النظام كله على عصمة قائد أو جماعة.
سادساً: المفاصلة والانقسام.. هل كانا خلافاً على الفكرة أم على السلطة؟
تقدم الانقسامات التي شهدتها الحركة الإسلامية السودانية مادة مهمة لاختبار المقاربتين.
ففي أوقات النزاع، لا تكفي البيانات التي يتبادل فيها الأطراف الاتهامات لتفسير ما جرى. ينبغي فحص طبيعة الخلاف، ومواقع القوة، والقرارات المتخذة، ومصالح الأطراف، والمرجعيات التي استند إليها كل طرف لتبرير موقفه.
وهل كان الخلاف على حدود السلطة التنفيذية، أم على دور التنظيم داخل الدولة، أم على تصور مختلف لطبيعة الحكم؟ وهل كان النقد المتبادل مستعداً للوصول إلى مساءلة التجربة كلها، أم اقتصر على تحميل الطرف الآخر مسؤولية الأخطاء؟
في هذا السياق، تكتسب مناقشة حيدر إبراهيم لمقال التجاني عبدالقادر حول «الثنائيات» أهمية خاصة. ففي مقاله المنشور عام 2019، اعترض حيدر على معالجة رأى أنها لم تتناول بما يكفي سؤال من بدأ منطق الثنائيات الإقصائية، وكيف ترسخ داخل الحركات الإسلامية.
وهذا السجال يوضح أن المسألة لا تتعلق بمجرد وجود خلاف، بل بكيفية تعريف الخصم، وحدود الاعتراف بشرعيته، وقدرة الجماعة على قبول التعدد داخلها وخارجها.
فحين يُقسَّم المجال السياسي إلى معسكر يمثل الحق وآخر يمثل الباطل، يصبح التنازل أقرب إلى الهزيمة الأخلاقية، ويصبح الاعتراف بصحة جزء من رأي الخصم أمراً صعباً. وقد ينتقل هذا المنطق من الخطاب إلى الممارسة، فيؤثر في علاقة التنظيم بالمجتمع وبالمؤسسات التي يفترض أن تستوعب الاختلاف.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسب كل هذه النتائج إلى التجاني باعتبارها أحكاماً نهائية له؛ فالمهم هو قراءة تحليله للنزاع، ثم مقارنة ذلك بالنقد الذي وجهه إليه حيدر، وتحديد ما يقوله كل نص بالفعل.
وما يمكن استخلاصه مبدئياً هو أن الانقسام لا يكشف فقط عن خلافات المصالح، وإنما يطرح سؤالاً حول طبيعة الثقافة السياسية التي تدير الخلاف: هل تقوم على الاعتراف المتبادل، أم على احتكار الشرعية وتجريم الاختلاف؟
سابعاً: حدود المراجعة الداخلية.. متى يصبح الإصلاح إعادة إنتاج للأزمة؟
لا شك أن المراجعة الداخلية لأي حركة سياسية أمر ضروري، لكنها ليست ضماناً كافياً للتغيير.
فقد تعترف القيادة بأخطاء ارتكبتها، وتنتقد بعض السياسات، وتطالب بتجديد الخطاب، ثم تبقي على التصورات الأساسية التي أنتجت الأزمة من دون تغيير حقيقي. وقد يتحول النقد إلى وسيلة لاستعادة الشرعية، لا إلى مدخل لمحاسبة المسؤولين وتغيير المؤسسات.
ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات للمراجعة.
المستوى الأول هو مراجعة الأشخاص والقرارات؛ أي الاعتراف بأن بعض القادة أخطأوا، أو أن بعض السياسات كانت غير موفقة.
والمستوى الثاني هو مراجعة التنظيم؛ أي إعادة النظر في آليات القيادة والمحاسبة، وفي علاقة القاعدة بالقيادة، وفي استقلال القرار السياسي عن المصالح التنظيمية.
أما المستوى الثالث فهو مراجعة التصورات المؤسسة للمشروع؛ أي مساءلة مفهوم الشرعية، وطبيعة الدولة، وعلاقة الدين بالمواطنة، وحقوق المخالفين، وحدود السلطة السياسية.
قد تكون المستويات الثلاثة مترابطة، لكنها ليست متساوية في العمق. فالمشروع الذي يغير قياداته من دون تغيير قواعد إنتاج السلطة قد يستعيد الأزمة نفسها في صورة جديدة.
وهنا تبرز قيمة النقد الذي يتجاوز وصف الانقسامات إلى فحص أسبابها، كما تبرز قيمة النقد الذي يختبر النتائج السياسية والأخلاقية للمشروع.
إن السؤال ليس ما إذا كان الإسلاميون قادرين على كتابة مراجعات جديدة، بل ما إذا كانوا مستعدين لتحويل المراجعة إلى التزامات مؤسسية قابلة للقياس: قبول التعدد، ورفض احتكار السلطة، واستقلال القضاء، وشفافية إدارة المال العام، وحق المجتمع في تغيير الحكومة ومحاسبتها.
من دون ذلك، قد تظل المراجعة خطاباً عن الماضي، لا تغييراً في شروط إنتاج المستقبل.
ثامناً: هل أخفق المشروع الإسلامي أم أخفقت التجربة السودانية وحدها؟
هذا السؤال يحتاج إلى قدر من الانضباط الفكري.
فالتجربة السودانية لا تمثل تلقائياً جميع أشكال التفكير الإسلامي السياسي في العالم، كما أن فشل تجربة بعينها لا يكفي وحده لإثبات استحالة كل محاولة للتوفيق بين المرجعية الإسلامية والديمقراطية.
لكن هذا التمييز لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للهروب من المسؤولية. فإذا قيل إن التجربة السودانية انحرفت عن الفكرة الصحيحة، فإن المطلوب تحديد مواضع الانحراف، وتفسير كيفية حدوثه، وبيان الضمانات التي تمنع تكراره.
وإذا قيل إن الفشل كان نتيجة ظروف خارجية أو صراعات داخلية، فلا بد من تقديم أدلة تشرح وزن هذه العوامل، بدلاً من استخدامها تفسيراً شاملاً لكل إخفاق.
وبالمثل، فإن النقد الخارجي للمشروع لا يصبح كاملاً لمجرد كشف التناقضات الأخلاقية أو السياسية؛ بل يحتاج أيضاً إلى تفسير كيف تشكلت هذه التناقضات، وكيف استمرت، ولماذا عجزت مؤسسات الحركة عن تصحيحها.
لذلك فإن المقارنة بين حيدر والتجاني لا ينبغي أن تنتهي إلى اختيار أحدهما بديلاً عن الآخر، وإنما إلى بناء إطار نقدي يجمع بين تحليل الفكرة، ودراسة التنظيم، وفحص السلطة، وتقويم النتائج.
فالمشروع السياسي يُختبر بما يقوله عن نفسه، وبما يفعله حين يمتلك القوة، وبقدرته على تصحيح أخطائه عندما تتعارض مصالحه مع حقوق المجتمع.
تاسعاً: ما الذي تعنيه هذه المقارنة لمستقبل السودان؟
تتجاوز أهمية هذه المناقشة تاريخ الحركة الإسلامية إلى السؤال عن الدولة التي يحتاج إليها السودان بعد الحرب والانقسامات وتآكل الثقة في المؤسسات السياسية.
فالسودان لا يحتاج إلى مشروع جديد يعيد إنتاج احتكار الحقيقة تحت اسم مختلف، ولا إلى معركة أبدية بين متدينين وعلمانيين، ولا إلى اختزال أزماته في صراع هويات لا ينتهي.
إنه يحتاج إلى تأسيس سياسي يعترف بأن المجتمع أوسع من أي حزب، وأن الدين لا يمنح جماعة بعينها تفويضاً أبدياً بالحكم، وأن المواطنة لا يجوز أن تتفاوت بحسب الانتماء الفكري أو الديني أو التنظيمي.
ومن هذه الزاوية، فإن النقد الجاد للإسلاموية لا يستهدف إخراج الدين من ضمير المجتمع، وإنما يهدف إلى منع استخدامه مصدراً لشرعية سياسية غير قابلة للمساءلة. كما أن احترام المرجعية الإسلامية لا يقتضي إعفاء الأحزاب التي تستند إليها من النقد، بل يقتضي إخضاعها للمعايير نفسها التي تُخضع لها بقية القوى السياسية.
والأمر ذاته ينطبق على كل مشروع يرفع شعارات التحرر والعدالة والتغيير. فلا يكفي أن يعلن حزب أنه يمثل الشعب؛ بل يجب أن يثبت ذلك من خلال المؤسسات والانتخابات والحقوق والمحاسبة.
وهنا يمكن أن تتحول المقارنة بين حيدر إبراهيم والتجاني عبدالقادر من سجال حول تجربة ماضية إلى مساهمة في بناء وعي سياسي جديد، لا يسأل فقط: من كان على صواب؟ وإنما يسأل: ما الشروط التي تجعل أي مشروع سياسي قابلاً للنقد والتصحيح، وتمنع تحوله إلى سلطة مغلقة؟
خاتمة: المشكلة ليست في المرجعية وحدها، بل فيمن يحتكر تفسيرها
إن القيمة الأساسية في قراءة حيدر إبراهيم والتجاني عبدالقادر معاً هي أنها تفتح مجالاً لنقد متعدد المستويات، لا يكتفي بإدانة الحركة الإسلامية أو الدفاع عنها.
حيدر يضعنا أمام سؤال حصيلة المشروع حين انتقل إلى السلطة، وأمام التناقض بين الخطاب الديني والممارسة السياسية. والتجاني يتيح لنا فحص النزاع داخل الحركة، والبحث في بنيتها الفكرية والتنظيمية، وفي الكيفية التي تتشكل بها الخلافات بين من يفترض أنهم ينتمون إلى مشروع واحد.
لكن السؤال الذي يبقى بعد المقارنة أعمق من الرجلين معاً: هل يستطيع أي مشروع سياسي، مهما كانت مرجعيته، أن يبني دولة عادلة إذا اعتقد أصحابه أنهم وحدهم يملكون الحقيقة، وأن المجتمع ينبغي أن يتبعهم بدلاً من أن يشاركهم في تحديد مصيره؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي فكرة هو أن تتحول من مصدر للإلهام والاجتهاد إلى أداة لإغلاق باب النقد. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة سياسية هو أن تعتبر نجاحها في الوصول إلى السلطة دليلاً على صحة مشروعها، حتى عندما تناقض نتائج ممارستها الوعود التي قدمتها للناس.
لقد أثبت التاريخ السوداني أن امتلاك الدولة لا يعني امتلاك المجتمع، وأن السيطرة على مؤسسات الحكم لا تعني كسب الشرعية، وأن رفع الشعارات الأخلاقية لا يغني عن الالتزام بها.
ولذلك، فإن المخرج لا يكمن في استبدال إسلاموية مغلقة بعلمانية مغلقة، ولا في استبدال تنظيم بآخر يكرر الأساليب نفسها؛ بل في بناء دولة لا يحتكر فيها أحد الدين أو الوطنية أو الحقيقة، وتظل فيها السلطة خاضعة للقانون، والمواطن صاحب الحق في الاختيار والمحاسبة، والاختلاف أساساً للتعدد لا ذريعة للإقصاء.
فالمشروع الذي لا يقبل نقد المجتمع لا يستطيع أن يدّعي أنه جاء من أجله، والحركة التي لا تستطيع مراجعة نفسها لا تملك ضمانة حقيقية بأنها لن تكرر أخطاءها.
وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول مستقبل المشروع الإسلامي السوداني: ليس من سؤال من انتصر في الصراع، وإنما من سؤال كيف نبني دولة لا يحتاج فيها أي حزب إلى احتكار الحقيقة كي يحكم، ولا يحتاج فيها المواطن إلى التخلي عن حريته كي يحتفظ بإيمانه أو بهويته.



