أبشر حسين يكتب: سوق الموردة.. مدرسة الحياة وذاكرة أم درما
سوق الموردة.. مدرسة الحياة وذاكرة أم درمان
أبشر حسين
ببدأت علاقتي بسوق الموردة منذ بداية ستينيات القرن الماضي، عندما كنت أعبر خور أبو عنجة مشيًا في العصريات بصحبة والدي. وكانت محطتنا الأولى دكان حاج حمد بسوق الموردة، حيث يلتقي والدي بأصدقائه، ومن بينهم العم محجوب، والد الأستاذ عمر زورو.
أبشر حسين يكتب: لِمَ يرحل الرفاق بلا وداع؟
لا أزال أتذوق في ذاكرتي طعم التمر البركاوي الذي كان يُعرض في فراشات حاج حمد، كما لا أنسى طحينية «الفلاتة» التي كان يشتريها لي العم محجوب. إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها ظلت حية في الذاكرة، كأنها حدثت بالأمس القريب.
ولا تزال صورة الحلاقة تحت الشجرة حاضرة أمامي؛ كنا نسميها «أندر ذا تري» (Under the Tree)، حيث نستمتع بشقشقة العصافير، ونحلق في الهواء الطلق، بعيدًا عن صخب الأماكن المغلقة.
ومع تقدمنا قليلًا في العمر ودخولنا المرحلة الوسطى، بدأت علاقتنا بالموردة تتخذ أبعادًا أخرى. لا أزال أذكر نفسي وأنا أحمل كتبى وأقرأ، إما داخل حديقة الموردة، وإما جالسًا على سورها. كان والدي يحب الجلوس تحت أشجار الحديقة، مستغرقًا في ذكرياته عن الماضي البعيد، حين كانت دكاكين العيش تعج بالحركة، وكان هو أحد تجارها، قبل أن تجور عليه الأيام وتتغير الأحوال.
كانت حديقة الموردة من أجمل الأماكن في أم درمان، وكانت نافورة المياه تزيدها رونقًا وجمالًا. وفي هذه الحديقة، كان الزعيم إسماعيل الأزهري يستقبل ضيوفه من الرؤساء والملوك، ومنهم نهرو والملك فيصل. وكنا نستمتع بموسيقى القرب وعزف السلام الجمهوري، في مشاهد ظلت راسخة في وجداننا.
وكانت الحديقة أيضًا متنفسًا للأسر، خاصة في أيام الأعياد، شأنها شأن أختها حديقة الرفيرا، حيث كانت تُقام الاحتفالات الغنائية، عادة في اليوم الثالث من العيد.
ولا تزال مخيلتي تحتفظ بصورة الفنان عوض الجاك وهو يشدو بأغنية «وصف الكونتيلا»، وجمال تاجوج المافى مثيله. وكأنني أرى أمامي حتى الآن عازف الإيقاع، وهو يحمل آلته على كتفه، متفاعلًا مع كلمات الأغنية وإيقاعها، في مشهد يعيد إلينا شيئًا من بهجة تلك الأيام.
كان لسوق الموردة تأثير كبير في حياتنا، ليس فقط بسبب دكاكينه، بل بسبب طبيعتها الخاصة. وأنا لا أحب أن أصفها بالدكاكين القديمة فحسب، بل أراها دكاكين أثرية تفوح منها رائحة التاريخ وعبقه، وتحمل في زواياها حكايات أجيال متعاقبة.
ومن بين الأسماء التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي: الباهى والتوم موسى ،عبد الله الطيب، وأبو الحسن، وتوتو،عبد الرحيم والتجانى،الوسيلة وميرغني حسون، وكربيت، وخضر، والحاج، وود المحامي، ومحمد ود إبراهيم،حاج عبد العاطى ،عبد الحميد رجب،الشايقى، وسكي، وفرح، وحاج حمد، والشايقي، والمحينة، وعبد الواحد، وكابو، وبت الأشول، والصبر نعمة، وعبد العزيز، وعثمان التنقور، والجاك نجرو، وأبو زيد، وصديق، وبابكر، وأنور الفكي، وحسن عبد الله، وعبد الله الحاج، وكمال محمد أحمد، ومبارك مارقيط، والسر، وعبد الوهاب سلمان، وود هباش، وسيف، وعبد الرحمن ضيعوك، وعبد العظيم العجلاتي، وحمد، والدومة، وعبد الباسط ،سيف، وشوقي.
هذه الأسماء ليست مجرد قائمة بأصحاب دكاكين أو تجار؛ إنها جزء من ذاكرة السوق، ومن تاريخ مجتمع تشابكت فيه المصالح والصداقات والعلاقات الإنسانية، حتى أصبح السوق أكبر من مجرد مكان للبيع والشراء.
وبعد أن تقدم بنا العمر، وأصبحنا طلابًا بجامعة الخرطوم، توطدت علاقتنا بقهوة الموردة، وأدمنا الجلوس فيها لمقابلة الأصدقاء. ولم تكن القهوة مجرد مكان لاحتساء الشاي والقهوة أو تبادل الأحاديث العابرة، بل كانت منتدى للنقاش والحوار، في السياسة والثقافة بمختلف فروعها، من الكتب والأدب إلى الأفلام والفنون.
ولا أزال أذكر جلسات «النقاش» التي كانت تعقدها مجموعة ساكني بيت النمل، وتضم ادباء مسرحيين، شعراء،كتاب ، وسياسيين وتشكيليين. كنا يومها صغارًا، نجلس لنستمع إلى تلك المعارك الأدبية والفكرية التي كان يقودها قدال، ،سامي سالم، عبد المنعم رحمة الله، حميد، محمد عبد الخالق، ومحمد عثمان. وكان النقاش يزداد جمالًا حين يشارك فيه يحيى فضل الله، بصوته الفخم وثقافته الواسعة.
كنا نستمع أكثر مما نتحدث، ونتعلم دون أن نشعر أننا في درس أو محاضرة. فقد كانت تلك المجالس مدرسة حقيقية، تفتح أمامنا أبواب المعرفة، وتعرفنا على عوالم الفكر والأدب والشعر، وتعلمنا كيف نختلف في الرأي دون أن نفقد احترامنا لبعضنا بعضًا.
ومع مرور السنوات، كبرنا وتغيرت مواقعنا في الحياة، وأصبحنا من رواد دكان شوقي التاجر، ومن أحبابه قريب الله، وقائد، وفوزي المرضي، وعبد الرحمن، وعبد الباري، وبشير، وعمر إسماعيل، وعبدو عمر، وسيد،لقطه،سمير وابو الليل، وغيرهم كثيرون.
وكان لدكان عبد الحميد كافي، يوم السبت، شأن آخر في حياتنا الثقافية والاجتماعية. فقد كنا نجد فيه زادًا معرفيًا وفيرًا، ونستمع إلى أحاديث ودرر من القول، يتفضل بها علينا الشعراء عوض أحمد خليفة، وطاهر إبراهيم، وإبراهيم الرشيد، في حضور عمر زورو، والدكتور سامي، والفريق علي صالح.
كانت تلك المجالس ثرية بالحكايات والتجارب والأفكار، وكانت المعرفة تنتقل فيها شفاهة، من جيل إلى جيل، في صورة تلقائية لا تعرف التكلف، ولا تحتاج إلى قاعات محاضرات أو مناهج دراسية.
ثم عاصرنا حقبة صلاح كافي، والسر بخيت، ونادر، والضالين، واستمرت الحكاية، وإن تغيرت الوجوه وتبدلت الأزمنة.
وعندما أتأمل اليوم مسيرتي، وأسترجع سنوات الدراسة بجامعة الخرطوم وما تلاها من تجارب الحياة والعمل، أجدني مدينًا لسوق الموردة بالكثير. لقد منحنا هذا السوق من المعرفة والخبرة الإنسانية ما لا يقل، في أثره العميق، عما تلقيناه في قاعات الجامعة.
ففي الجامعة تعلمنا العلوم والمعارف الأكاديمية، أما في سوق الموردة فقد تعلمنا الحياة، وتعرفنا على الناس، واكتشفنا قيمة الحوار، وتعلمنا كيف نصغي، وكيف نختلف، وكيف نحترم تجارب الآخرين.
لقد كان سوق الموردة مدرسة قائمة بذاتها، لا تقل أهمية عن جامعة الخرطوم في تكويننا الفكري والإنساني. وإذا كانت الجامعة قد منحتنا الشهادات والمعرفة الأكاديمية، فإن الموردة منحتنا رصيدًا من الحكمة والتجارب والعلاقات الإنسانية، ظل يصاحبنا طوال العمر.
ولذلك، أشعر بأن ما قدمه لنا هذا المجتمع الأمدرماني الفاضل ليس مجرد ذكريات جميلة نستعيدها كلما تقدم بنا العمر، بل هو دَيْن مستحق في أعناقنا، ينبغي أن نؤديه لهذا المجتمع الذي أسهم في تشكيل وجداننا، وصنع جانب أصيل من شخصياتنا.
سلام على سوق الموردة، وعلى رجاله، وعلى دكاكينه العتيقة، وعلى حدائقه وقهاويه ومجالسه، وعلى كل من ترك في نفوسنا أثرًا طيبًا.
سلام على تلك الأيام التي مضت، لكنها لم تغادرنا، وعلى أم درمان التي علمتنا أن الحياة ليست شهادات ومناصب فحسب، بل هي أيضًا محبة الناس، وكرم المعشر، وثراء التجربة، ووفاء الذاكرة.



