أبشر حسين يكتب: لِمَ يرحل الرفاق بلا وداع؟

لِمَ يرحل الرفاق بلا وداع؟
يا معلم يا ربيع، يا سيده ويامقطع يا الخير وياحاتم ويا موس يا اسماعيل والسر وياجلال وياعيله ياهاشم ويا اسامة ويا سمير ويا معتصماه
يا أيها الفارس المغوار، يا من لا يُشقّ له غبار، يا ابن الأزقة التي عرفت خطاك، ويا واحدًا من أولئك الذين كانت ألصابرين تمنحهم من روحها شيئًا، فيحملونه معهم أينما ذهبوا.
لِمَ يرحل الرفاق بلا وداع؟
سؤال ظل يطاردني كلما غاب وجه من وجوه تلك الأيام، وكلما انطفأ صوت كان جزءًا من ضجيج الحي وحركته وحياته. كأن الموت لا يكتفي بأن يأخذ الإنسان، بل يأخذ معه قطعة من المكان الذي عاش فيه، وشيئًا من ذاكرتنا نحن.
يا ربيع، يا ربيع الدنيا، هل لأرواحنا المنهكة القدرة على الغناء بعد رحيلك؟ وهل يستطيع الربيع أن يقاوم البكاء حين يفقد زهرة من أزهاره؟
كيف لنا أن نواصل الحديث والضحك، والأماكن من حولنا تتناقص وجوهها واحدًا بعد آخر؟
كان في الحي رجال لا تحتاج إلى موعد للقائهم. يكفي أن تمضي في الزقاق، أو تجلس عند الخور، أو تمر من أمام بيت قديم، لتجد واحدًا منهم هناك. كانت الحياة بسيطة، لكنها كانت ممتلئة بالناس؛ والناس هم الذين كانوا يمنحون الأمكنة معناها. أما اليوم، فقد بقيت الأمكنة، وغاب أهلها. البيوت ما زالت واقفة، والأبواب ما زالت في مواضعها، والأزقة ما زالت تعرف الطريق إلى الخور، لكن شيئًا خفيًا تبدّل. كأن الأرواح التي كانت تمنح المكان دفأه قد أخذت معها جزءًا من نوره.
يا فجيعتى كيف للخلاصية أن تنتظر الإجابة إذا صرخت: «وا معتصماه!»؟
لمن تصرخ الآن؟ ومن يسمع النداء؟
لقد تغيّر الزمان، وتغيّرت الوجوه، وأصبحنا نبحث عن أولئك الذين كنا نظن أنهم باقون معنا إلى آخر الطريق. لكن الطريق، كما يبدو، لا يسمح لنا دائمًا بأن نختار من يمضي ومن يبقى.
وهل تصل جلالات الفاتحين إلى مبتغاها، وهي تعبر ذاكرة المكان، أم تتوقف عند ذلك المشهد البعيد، عند سرر على ضفاف الخور، حيث كان الرفاق يجتمعون، وحيث كانت الحكايات تبدأ ولا نعرف متى تنتهي؟ هناك، على ضفاف الخور، كان المكان أكثر من مجرد مكان.
كان شاهدًا على طفولة، وعلى شباب، وعلى صداقات امتدت سنوات طويلة. كان يعرف الذين مروا من هنا، والذين جلسوا على ضفافه، والذين ضحكوا تحت ظلال أشجاره، والذين حملوا همومهم ثم عادوا إلى بيوتهم.
وهناك أيضًا، كان سيده قد نام نومته الأبدية،نام سيده، وبقي الخور يجري.
يا للمفارقة!
الماء لا يتوقف لأن عزيزًا رحل، والريح لا تتوقف لأن بيتًا فقد أحد أهله، والشمس تشرق في موعدها، والأطفال يمضون في الأزقة كما كانوا يفعلون من قبل.
وحدنا نحن الذين نتوقف.
نتوقف عند صورة، عند صوت، عند اسم، عند مكان خال، ثم نستعيد شريطًا طويلًا من الذكريات.
نقول:
هنا كان اسامة
وهنا جلس ربيع وجلال يتحدثون عن (المشرع) والمدرات التى اصابها القدم فاصبحت غير قادره على ادهاش الاخرين بسرعة سير المركب.
وهنا ضحكنا ذات مساء مع الخير وعيله واسماعيل.
وهنا كان سيده.
ثم نصمت.
لأن الذاكرة أحيانًا تكون أبلغ من الكلام.
يا ربيع، يا سيده يايها الذاهبون بدون رجعه
لقد تركتم لنا مهمة ثقيلة: أن نتذكركم.
والتذكر ليس أمرًا سهلًا. فكلما حاولنا أن نستعيدكم، استعدنا معكم زمنًا كاملًا؛ زمن الأزقة القديمة، والبيوت المفتوحة الأبواب، والجيران الذين يعرف بعضهم بعضًا، والضحكات التي كانت تصل من آخر الزقاق، والوجوه التي كانت تمنح المكان أمانه.
لهذا ربما لا نبكيكم وحدكم.
نحن نبكي زمنًا رحل معكم.
نبكي ألصابرين التي كانت تسكن في تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها الغرباء: في رائحة التراب بعد المطر، وفي ضوء المغرب على جدران البيوت، وفي أصوات الناس عند المساء، وفي الخور حين كان جزءًا من حياتنا لا مجرد مجرى للماء.
نبكي ذلك الزمن الذي كان فيه الرفيق يعرف أنك تحتاج إليه قبل أن تطلبه، وكان الجار يعرف أحوال جاره، وكانت الصداقة تُبنى على سنوات طويلة من المعايشة لا على لقاءات عابرة.
لذلك، حين يرحل واحد منكم، نشعر أن شيئًا من تلك المدينة يرحل معه.
ومع ذلك، لن نسمح للغياب أن ينتصر تمامًا.
سنظل نحكي عنكم.
سنذكر أسماءكم في المجالس، ونستعيد مواقفكم، ونضحك أحيانًا من حكاياتكم، ونبكي أحيانًا أخرى. سنضعكم في مواضعكم داخل ذاكرتنا، كما كانت بيوتكم وأزقتكم في مواضعها داخل أم درمان.
فأنتم لم تكونوا عابرين في حياتنا.
كنتم جزءًا من تكوينها.
وإذا كان الموت قد أخذ أجسادكم، فإنه لن يستطيع أن يأخذ أثركم.
ستبقى خطواتكم في الأزقة، وستبقى أصواتكم في الذاكرة، وسيظل الخور يحفظ شيئًا من أسراركم.
ولعل أجمل ما نستطيع أن نقوله لكم الآن:
نمتم، وتركتم لنا الطريق.
نمتم، وبقيت ألصابرين تمشي بنا في شوارعها القديمة.
نمتم، وبقي الخور يجري.
ونحن، الذين ما زلنا هنا، سنواصل السير، نحمل أسماءكم معنا، ونحاول أن نحفظ ما تبقى من ذلك الزمن قبل أن تبتلعه الأيام.
لكن يبقى السؤال، ذلك السؤال الذي لا أجد له جوابًا:
لِمَ يرحل الرفاق بلا وداع؟
ربما لأن الموت لا يعرف المواعيد.
وربما لأن الوداع الحقيقي لا يكون في اللحظة الأخيرة، وإنما في كل لحظة عشناها معًا؛ في كل ضحكة، وكل مجلس، وكل طريق، وكل ذكرى.
سلام عليكم
سلام على أرواحكم حيث استقرت.
وسلام على ألصابرين، وهي تحمل في أزقتها أسماءكم، وتخبئ في ترابها شيئًا من خطاكم.
أما نحن، فسنبقى نبحث عنكم في الذاكرة…
فربما لا يعود الراحلون،
لكن الذكريات تعرف دائمًا طريق العودة. بروف ابشر حسين



