عزمي عبد الرزاق يكتب: ماذا لو حذفنا الأصفار من العملة السودانية؟

ماذا لو حذفنا الأصفار من العملة السودانية؟
عزمي عبد الرازق
المجالس السودانية عامرة بالحديث عن بنكك والوقود والدولار والعملة، وأصبحت التوقعات مزدهرة حول كل شيء، وأحياناً مبالغ فيها، حد أنك تجد من يفتي الأصفار. هل سيحذفونها؟ وهل سنخسر؟ ثم يخفض السائل صوته ويقول: «سمعت مصرفي كبير، وقرأت في الفيسبوك».. والعارف بالأصفار هذا ليس بنك السودان المركزي بالطبع.
منذ أعلنت اللجنة العليا في سبتمبر 2026 تغيير العملة واستبدالها، عاد السؤال أقوى من أي وقت مضى. وهو سؤال مشروع، لكن جوابه في الدفاتر القديمة والقانون، وإمكانية حدوث ذلك أو الفائدة منه، وأنا نفسي سألت بعض المعنيين، وخرجت بهذه الخلاصات.
نحن شعب جرّب تغيير العملة أكثر مما جرّب تغيير الحكومات، أو هكذا يبدو أحياناً. أول عملة وطنية صدرت عام 1956 عن لجنة العملة السودانية، ثم تسلّم بنك السودان المركزي حق الإصدار عند إنشائه عام 1960 وفي 1970 تغيرت الورقة لإدخال وسائل طباعة وتأمين حديثة، وفي 1992 ظهر الدينار بعشرة جنيهات، فعشنا زمناً بعملتين في جيب أو جزلان واحد، وفي 2007 عاد الجنيه وذهب الدينار، فأصبح الجديد يساوي مائة دينار، أي ألف جنيه قديم.
يعني بالضبط كده سبق أن حذفنا الأصفار مرتين، مرة صفراً واحداً، ومرة صفرين، ثم جاء تغيير 2011 بعد انفصال الجنوب، لحماية الاقتصاد من كتلة نقدية كانت ستُلقى في السوق فجأة، ولذلك فمن يظن أن حذف الأصفار «حدث غريب» فقد نسي تاريخه.
في ديسمبر 2024 تقريباً بدأ البنك المركزي استبدال فئتي الخمسمائة والألف في الولايات الآمنة، والسبب معروف، الحرب نهبت خزائن المصارف، والمزيف انتشر، وثمة كتلة نقدية ضخمة، يقدرها بعض المختصين بنحو تسعين في المائة من السيولة، تتحرك خارج الجهاز المصرفي بلا رقيب، وما يجري اليوم استكمال لذلك الطريق.
الفكرة بسيطة هى أن يُغلق الباب أمام النقد المنهوب والمزيف، ويعود المال إلى القنوات الرسمية.
قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002 (المعدل حتى 2012) يجعل إصدار العملة وتنظيمها ومراقبتها من صميم مسؤوليات البنك (المادة 6). وتقول المادة 21 بوضوح إن «للبنك دون سواه الحق في إصدار العملة». ومعنى ذلك أن أي حديث عن الفئات أو المواعيد لا يُعتد به إلا إذا خرج من البنك نفسه، وما عدا ذلك “كلام والسلام” كما أن الفئات لا تتغير بمزاج أحد، فهي تصدر بقرار من رأس الدولة بناءً على توصية المحافظ، فحذف الأصفار إجراء له طريقته القانونية المعروفة والمتبعة.
والأهم أن المادة 25 تقول إن الأوراق المتداولة عملة قانونية مبرئة للذمة، وما يُسحب منها يُسحب مقابل قيمته الاسمية. أي أن من يحمل ورقة سارية لا يخسر قيمتها. وحذف الأصفار، إن حدث، يغير طريقة كتابة الرقم وليس قيمته، يعني الألف اليوم ستساوي الشيء نفسه غداً بلا أصفار.
الورقة الجديدة لا تصنع عملة قوية، لأن قيمة الجنيه يصنعها اقتصاد ينتج ويصدّر، وإنفاق على الحرب يتراجع، وفجوة بين ما نستورد وما نبيع للعالم تضيق، ومن نبّه إلى ذلك من الكتّاب أصاب، ولذلك فإن تدهور قيمة العملة لا يسأل عنه البنك المركزي وحده، المشكلة معقدة ومرتبطة بالاقتصاد.
لكن الاستبدال، رغم ذلك، يفعل ما لا تفعله غيره من الإجراءات،
يُبطل النقد المنهوب والمزيف، ويكشف الحجم الحقيقي للكتلة النقدية، ويعيد للبنك المركزي قدرته على إدارة السيولة.
أما حذف الأصفار فقيمته في تبسيط الحساب والتسعير، واستعادة شيء من الثقة النفسية في العملة، بشرط أن يكون جزءاً من برنامج اقتصادي أوسع، وليس بديلاً عنه ” ننتج أكثر مما نستهلك، ونصدر أكثر مما نستورد” ببساطة كده.
وسط ضجيج الأصفار تتسرب معلومة أهم دون أن ينتبه لها أحد “المركزي يريد أن يقلل اعتمادنا على الورق أصلاً” وهو بالقانون مكلف بتنظيم نظم الدفع والإشراف عليها لضمان سلامتها واستقرارها وكفاءتها، ويجيز له إنشاء نظم المقاصة، والتسويات إلكترونياً، وهناك قانون المعاملات الإلكترونية، ولائحة نظم الدفع، ولائحة 2020 التي فتحت الباب أمام شركات التقنية المالية المرخصة.
على الأرض، رغم الحرب والدمار، تحققت أشياء ملموسة، إذ أُعيد تشغيل المحول القومي للدفع الإلكتروني، وعادت المقاصة الإلكترونية للشيكات بالعملة المحلية بعد ثلاث سنوات من التوقف، فيما اكتمل هذا العام ربط «إيصالي» بالأنظمة المصرفية الأساسية، وتم طرح عطاء لنظام المدفوعات الفورية، إلى جانب تدشين وكالة الاستعلام والتصنيف الائتماني في الخرطوم.
أما «بنكك» و«فوري» و«أوكاش» فقد صارت جزءاً من يوميات الملايين، داخل البلاد وفي المهجر، وهنا يظهر قرار تحديث بيانات العملاء قبل نهاية 2026، الذي ظنه البعض عقوبة، وهو في الحقيقة هو حماية للحسابات من الاستغلال، وشرط لأي انتقال آمن إلى الدفع الرقمي.
الخيط الذي يربط الأمرين واضح، كل جنيه يدخل حساباً مصرفياً عبر الاستبدال يصبح قابلاً للتحويل إلكترونياً، محمياً من السرقة والتزييف، ومرئياً للسياسة النقدية، وكلما اتسع الدفع الإلكتروني قلّت الحاجة إلى طباعة الورق ونقله وتأمينه، وضاق الطريق على المضاربين بالنقد خارج القنوات الرسمية ” وهؤلاء أس الأزمة”
حتى لا نبيع الوهم، في مناطق خارج سيطرة الدولة لا توجد بنية مصرفية أصلاً، والناس تشكو من تعطل التطبيقات وتأخر التحويلات، وكبار السن وأهل الأرياف يحتاجون من يأخذ بأيديهم.
ولذلك فنجاح المرحلة معلّق على ثلاثة أمور، كما توصلت لها في هذه المادة، أن يبقى البنك المركزي المصدر الوحيد للمعلومة عن العملة، بمعنى أن تعدد الأصوات يفتح الباب للشائعة، والشائعة أسرع طريق لهروب الناس من الجنيه، واللهث خلف الدولار والدرهم، والثاني تطبيقات مستقرة، ونوافذ متنقلة للاستبدال وتحديث البيانات، وحلول خاصة لمناطق الحرب وللمغتربين، كذلك أن تُعلن مراحل الاستبدال بمهلة كافية ولغة بسيطة، تطمئن كل مواطن إلى أن ما في يده محفوظ القيمة.
الخلاصة
ماذا لو حذفنا الأصفار؟ لن يحدث شيء مما يُخيف، ولن يحدث كل ما نحلم به.. لأن العملة في النهاية عقد ثقة بين الدولة ومواطنيها. والقانون وضع أسس هذا العقد منذ عقود، وبالتالي المطلوب اليوم أن نبني فوقها اقتصاداً ينتج، ونظام دفع يعمل، وخطاباً رسمياً واحداً يعرف الناس أين يجدونه، أما الأصفار، فمقدور عليها.



