إبراهيم شقلاوي يكتب: السدود الإثيوبية وأمن السودان المائي

السدود الإثيوبية وأمن السودان المائي
إبراهيم شقلاوي
في الجمعة 23 أكتوبر 2026م ، افتتح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد سد “ميغيتش” للري بمدينة غوندار، بسعة تخزينية تبلغ 185 مليون متر مكعب، لتوفير مياه الري لأكثر من 17 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، بحسب الإعلام الإثيوبي . ورغم محدودية الأثر المباشر للسد على تدفقات النيل الأزرق إلى السودان، فإن أهميته الاستراتيجية تكمن في سياقه الأهم، توسع إثيوبيا في مشروعات السدود، بالتزامن مع غياب إطار ملزم يحكم إدارة المياه المشتركة ويضمن مصالح دول المصب.
إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان.. حرب الاستهداف وخرائط نتنياهو
ففي مارس 2026، أعلنت أديس أبابا خططاً لتطوير ثلاثة سدود كهرومائية إضافية على النيل الأزرق، هي كارادوبي ،ومندايا ،وبيكو آبو، بقدرة توليدية إجمالية تقارب 5700 ميغاواط. ورغم أن هذه المشروعات لا تزال في مراحل التخطيط والإعداد، فإنها تشير إلى توجه استراتيجي اثيوبي يتجاوز سد النهضة إلي إعادة تشكيل منظومة المياه والطاقة في أعالي النيل الأزرق. وهنا ينبغي أن يقرأ السودان المشهد باعتباره تحولاً متدرجاً، في التحكم في موارد المياه، فالأثر الحقيقي لا يتحدد بحجم كل سد على حداه ، بل بمجموع السدود مجتمعة و السعات التخزينية، وقواعد الملء و التشغيل، ومدى التنسيق بين دول الحوض.
وتقتضي الدقة التمييز بين سد ميغيتش، الواقع خارج المجرى الرئيسي للنيل الأزرق، وسد النهضة والمشروعات المقترحة عليه. فلا تتوافر معلومات كافية لاعتبار ميغيتش تهديداً مباشراً للأمن المائي السوداني، لكن تجاهل دلالته ضمن مسار التوسع الإثيوبي يحرم السودان من فرصة الاستعداد المبكر للتحولات المقبلة. فالمعضلة ليست في حق إثيوبيا في التنمية، وإنما في احتمال أن تتحول السيطرة التشغيلية على منشآت المنبع إلى أمر واقع يتأثر به السودان دون مشاركة كافية في تحديد قواعده.
وتتباين قراءات خبراء المياه السودانيين بين من يرى أن إدارة السدود ضمن منظومة متكاملة قد تنظم التدفقات الموسمية، وتحد من الفيضانات، وتحسن تشغيل سدود الروصيرص وسنار، وبين من يحذر من مخاطر غياب الشفافية وتبادل البيانات. والقراءتان تلتقيان عند حقيقة مهمة، يمكن للسدود أن تكون أداة للتنمية المشتركة، أو مصدراً للمخاطر، بحسب قواعد إدارتها. وبالنسبة للسودان، فإن قرب الروصيرص من سد النهضة يجعل المعلومات الدقيقة والتنسيق بشأن التصريفات والتشغيل والطوارئ مسألة تتصل مباشرة بأمن المنشآت المائية واستقرار الزراعة وإدارة الفيضانات.
ويمتلك السودان اتفاقا فنيا مع إثيوبيا تم التوقيع عليه في الخرطوم في أكتوبر 2022، وتستدعي التطورات الحالية مراجعة وضعه التنفيذي والعمل على تفعيل لجانه وترتيبات التنسيق وتبادل البيانات، بما يعزز الربط التشغيلي بين سد النهضة وسد الروصيرص، ويحسن الاستعداد للجفاف والفيضانات. فالقيمة الاستراتيجية لأي تفاهم لا تكمن في توقيعه، بل في تحويله إلى برنامج عملي قابل للقياس والمتابعة.
سياسياً، لا يستطيع السودان حماية مصالحه بالاكتفاء بردود الفعل أو بانتظار اكتمال المشروعات الإثيوبية. المطلوب اليوم استراتيجية مائية استباقية تجمع بين الرصد المبكر، والتقييم التراكمي للسدود القائمة والمخطط لها، وتطوير أنظمة الإنذار، وتعزيز القدرات الفنية والتفاوضية.
كما ينبغي أن يستند الموقف السوداني إلى مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول بالمياه، والتعاون لتجنب الضرر ذي الشأن، دون إنكار حق إثيوبيا في التنمية أو التسليم بإجراءاتها الأحادية في فرض قواعد التشغيل منفردة.
لكن ما وراء السدود الإثيوبية بحسب خبراء ربما يمثل تحوّل تدريجي في موازين التحكم في مياه النيل الأزرق بالنظر الي تصريحات سابقة للوزير المختص ، تتقدم فيه قدرات التخزين والتشغيل أسرع من بناء قواعد إقليمية واضحة للتنسيق. وهنا يواجه السودان معادلة دقيقة، لا يملك ترف معاداة التنمية الإثيوبية، ولا يجوز أن يترك أمنه المائي رهينًا لقرارات أحادية أو معلومات متأخرة. فحسن الجوار لا يُقاس بالنوايا، بل بوضوح قواعد التشغيل وتبادل البيانات والاستعداد للجفاف والفيضانات. والسؤال ليس كم سدًا ستبني إثيوبيا، بل هل يمتلك السودان المعرفة والمؤسسات والأدوات لحماية مصالحه قبل أن تتحول المتغيرات المائية إلى أمر واقع؟
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن المسألة الاستراتيجية ليست ما إذا كان سد ميغيتش يهدد السودان ، بل ما إذا كان السودان يمتلك رؤية متكاملة للتعامل مع التحولات المتسارعة في إدارة النيل الأزرق. فالتوسع في السدود قد يخلق فرصاً للتكامل في الطاقة والزراعة، لكنه قد يعيد توزيع المخاطر والنفوذ إذا غاب التنسيق. ومن ثم، فإن حماية الأمن المائي السوداني تبدأ من الانتقال من متابعة المشروعات منفردة إلى إدارة ملف النيل باعتباره قضية سيادة وأمن قومي، وتنمية واستقرار إقليمي، ومن التعامل مع التفاهمات القائمة باعتبارها أدوات عملية لحماية المصالح الوطنية، لا مجرد اتفاقيات مؤجلة.
دمتم بخير وعافية



