المقالات

فرص السودان في التعامل مع التأثيرات المحتملة لسد النهضة

إن مستقبل الثروة المائية في السودان يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والجهد والعمل لتلافي الأخطار التي تهددها.. خاصة وأن هذه المياه تأتي في طليعة الأهداف الحيوية لإستراتيجية التوسع التي يدعمها ويعمل على ترسيخها الطامعون في ثروات البلاد.. حيث تشهد هذه الفترات كما نعلم بروز تأثيرات المناخ وشح الأمطار والجفاف.. مما يهدد مساحات واسعة من دول الجوار الأفريقي بازدياد حدة الفقر وشح الغذاء.. هذا فضلاً عن زيادة السكان وضعف النشاط الزراعي والرعوي الذي بات مهدداً هو الآخر جراء الصراعات الإقليمية و الدولية حول مناطق الإنتاج العالمية.. لعلنا جميعاً نعلم أن النيل الأزرق ينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا حيث يغذي نهر النيل الرئيسي بثلثي منسوبه الموسمي.. فيما تأتي باقي تدفقات المياه من النيل الأبيض الذي ينبع من بحيرة فكتوريا التي تطل عليها ثلاث دول هي كينيا وأوغندا و تنزانيا.. هذا بجانب الروافد الأخرى و الأمطار الموسمية التي تشكل الأودية والخيران .. هذا الواقع يجعل هناك أهمية خاصة لسد النهضة الذي يجري العمل على تشييده في إثيوبيا والذي يوشك على انتهاء كافة الأعمال خلال العام 2027.. فإن سد النهضة حسب الموقع الإكتروني للجزيرة (بدأت المرحلة الأولى لملء سد النهضة في يوليو 2020 وخزنت إثيوبيا خلالها نحو 5 مليارات متر مكعب من المياه.. والعام التالي استهدفت أديس أبابا من المرحلة الثانية للملء تخزين نحو 13.5 مليار متر مكعب من المياه.. وفي أغسطس الماضي.. أعلنت الحكومة الإثيوبية أنها أكملت التعبئة الثالثة لسد النهضة.. بحجم 22 مليار متر مكعب من المياه.. أما التعبئة الرابعة.. خلال العام الجاري.. فتستهدف الوصول بحجم المياه التي سيجري تخزينها في السد إلى 40 مليار متر مكعب.. ومن المستهدف استمرار عمليات تعبئة السد حتى عام 2027، لملء خزان سد النهضة بسعته البالغة 74 مليار متر مكعب من المياه).

هذا الواقع يجب أن يدفع بجهات الاختصاص في بلادنا.. إلى اتخاذ كافة التحوطات والتدابير اللازمة بصورة عاجلة.. للتعامل مع هذا المتغير المهم بالغ التأثير على الموارد المائية الموسمية من النيل الأزرق فإن حقيقية الأمر توجب العمل الجاد والفوري للاستفادة من المياه بما يضمن توظيف الحصة المائية للسودان التوظيف الجيد و الأمثل خلال جميع المواسم.. وإتخاذ كافة التحوط اللازمة خاصة المتعلقة بفترات الجفاف الممتد حيث تشير الدلائل إلى أن الموارد المائية المتاحة في منطقتنا قد لاتفي بحاجات التنمية المنتظرة على المدى البعيد بالرغم من وجود الثروة المائية الجوفية المقدرة.. لهذا لابد من وضع مخطط علمي مدروس للاستفادة من سد النهضة بجانب اجراء كافة التدبير لأي عجز مائي محتمل من النيل الأزرق أو من المصادر المتاحة مع إعطاء الأولوية لتنمية المصادر المائية السطحية الأخرى.
من المعلوم أن الجانب الإثيوبي غير متحمس للوصول إلى تفاهمات مرضية لجميع الأطراف على الاقل في الوقت الراهن حول تبادل معلومات الملء والتخزين او إدارة المياه الخاصة بسد النهضة خلال فترات الجفاف.. لذلك من الأهمية أن يمضي السودان في ترتيب أمره بعيدا عن الانتظار.. على الرغم مما ظلت تطرحه الحكومة السودانية من أفكار .. معتبرة ان السد يمكن ان يدار بصورة مشتركة تتكامل فيها مصالح الدول الثلاث السودان، مصر و إثيوبيا .. حيث يرى الخبراء السودانيون أن تكامل الأدوار ممكنا من خلال ما تملكه إثيوبيا من طاقة كهربائية تزيد عن احتياجها للاستهلاك المحلي.. ومايملكه السودان من أراضي زراعية شاسعة قابلة لتأمين الغذاء للدول الثلاث والمنطقة.. وما تملكه مصر من خبرات في الإصلاح الزراعي بجانب الخبرات البشرية.

هكذا نلاحظ دائما تداخل الخريطة المائية مع الخريطة الجيوسياسية والأمنية وتلازمها وهذا مابات واضحا فيما يتعلق بأمر سد النهضة .. فقد تم التعويل على وثيقة إعلان المبادئ التي جرى توقيعها في العام 2015 بين دولة المنبع الرئيسية إثيوبيا ودولتي المعبر والمصب السودان ومصر لتكون بداية التفاهمات بين الموقعين في إطار الحل او التسوية السياسية لقضية الخلاف الذي ظل متجددا مع اقتراب توقيات الملء السنوية التي يقوم بها الجانب الإثيوبي.. لذلك يأمل المراقبون ان تكون هناك دعوة للتفاوض قبل الملء الرابع المتوقع له يونيو القادم حيث يأتي في وقت يطالب فيه كل من السودان ومصر الوصول إلى إتفاق فني ملزم مع إثيوبيا أشبه بوثيقة اعلان المبادئ التي أشرنا لها انفآ.. يتضمن جدولاً زمنياً متفقاً عليه قانونياً وفنياً للملء والتشغيل والتشارك حول بيانات السد .. لكن أديس أبابا كما هو معلوم ماضية في مشروعها حتى النهايات.. إذ نفذت في السابق ثلاث مراحل من عملية الملء.. وهي تمضي الآن للملء الرابع في هذا العام .. وربما تمضي إلى الملء الخامس في العام القادم دون أن تفاوض على ذلك.. لرفع منسوب بحيرة سد النهضة لما فوق 625 وبالتالي يكتمل الملء بنهاية فيضان 2025.. إذا جاء الفيضان باعلى من المتوسط..

لذلك وقبل دخول الشهور القادمة و قبل أكتمال التخزين فى سد النهضة بنهاية فيضان العام القادم 2024.. لابد أن يجري السودان الاستعدادات اللازمة في وقتها للاستفادة القصوى من هذا المتغير المهم كما يرى الخبراء، حتى تكون رؤية التعامل المستقبلية واضحة.. عليه نجمل حديثنا بإن فرص السودان تتمثل فى عدد من التدابير المهمة..اذا وجد ذلك الاهتمام اللازم في مجال الكهرباء لابد من رفع كفاءة مولدات الطاقة في الروصيرص و تنفيذ مولدات سنار الاضافية هذا بجانب أهمية إنشاء مولدات على القنوات الرئيسية فى المشاريع الكبرى المنتظرة.. كذلك لابد أن تبدأ الجهات المعنية في وزارة الري فى إقامة قناطر للرى فى مكان الشلالات على النيل الرئيسى مصحوبة بقنوات أو انابيب تسحب منها على الضفتين لرى التروس العليا بإدخال مساحات زراعية جديدة..وذلك بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية المعنية بهذه الصناعات مثال ذلك جياد بإنتاج طلمبات الرى ذات السعات الواسعة ثم العمل على تمليك هذه المشروعات لجمعيات صغار المزارعين التعاونية أو أي جهات يتم تنظيمها وفقا لكيانات المزارعين.. على طول ضفاف النيل..

كذلك لابد من ان يعمم توليد الطاقة الشمسية و التوليد عبر طاقة الرياح لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل الطلمبات.. اما في جانب الزراعة.. لابد من إعادة النظر فى التركيبة المحصولية وزيادة دورات الإنتاج الزراعي .. مع تطوير أساليب تشغيل السدود والقنوات لاستدامة تدفق المياه طوال العام.. فالماء وليس الارض والمناخ هو المحدد للتنمية الزراعية فى السودان كما نعلم.. كما يجب كذلك التوسع فى التصنيع الزراعى.. نباتى وحيوانى مع إستخدام طرق الري الحديثة لتقليل الهدر.. وتطوير اساليب التسويق والتصدير لدول الجوار والخليج وأوروبا بالاستفادة من مطار مروي في الشمالية ومطار ود زايد في الشرق التي أعدت دراسيتهما قبل الانشاء لمقابلة صادر الإنتاج البستاني من هذه المناطق وماجاورهما.. كما لابد من إصلاح البنيات الأساسية المصاحبة للتنمية ورفع كفاءاتها التشغيلية مع تطوير السياحة كواحدة من اداوت دعم الاقتصاد هذا بجانب تطوير بنيات الإتصالات والسكك الحديدية والطرق.. كذلك من الأهمية جعل العمل فى المجالات ذات الصلة جاذبا من خلال رفع قدرات العاملين وتدريبهم في المجال تدريباً مواكبا لكل ذلك يصلهم إلى أعلى المستويات وهذا يطور العمالة الداخلية ويزيد من فرص العمل ويعمل على محاربة البطالة، كذلك يجب العمل على رفع الكفاءة الهندسية و الإدارية .. لذا لابد من توفير الاحتياجات لهذا البرنامج من الموارد الاقتصادية و البشرية و الطبيعية التى يذخر بها السودان بالتعاون مع دول الجوار و الجهات المانحة العالمية و الإقليمية.. فى شكل حزم عمل أو في شكل اتفاقيات ثنائية.. كل ما ذكر يحتاج إلى نهوض الجهات المعنية من الوزارات ومؤسسات الدولة وتعاون جميع القطاعات ذات الصلة لوضع كل هذا البرنامج ضمن خطة عمل متفق عليها بمواقيت ومؤشرات تتابع بدقة و يجرى تقويمها بصفة دورية..مما يشكل دعما جيد للاقتصاد وزيادة مقدرة للفرص الإستثمارية وزيادة الإنتاج.. هذه في تقديري ربما تمثل أهم ملامح الإستراتيجية والوطنية المطلوبة التي ينهض بها الجميع لأجل تعزيز فرص السودان في التعامل مع التأثيرات المحتملة لسد النهضة.
دمتم بخير..،

المصدر: اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى