منوعات

ود ضحوية..


حالة دراسة تستحق التأمل، ليس لقراءة الحدث و ردود الأفعال فحسب، بل و لقياس المسافة الفاصلة بين من يحملون ديباجة “النخبة” و عامة الناس..

أمس أدلى البشير بأقواله أمام المحكمة التي تنظر في الاتهامات الموجهة لمدبري انقلاب 30 يونيو 1989، وبسرعة تناقلت وسائط الأخبار المؤسسية والشعبية أقواله لتشغل الأثير وتدور حولها التعليقات.. افتخر بأنه من “فجر ثورة الانقاذ” و يتحمل مسؤولية الانقلاب وحده فهو العقل المدبر ثم المنفذ وقائدها لمدى 30 سنة.. و سرد إنجازات بالقدر ذاته الذي تفه فيه اإنجازات الحكومة التي أطاح بها الانقلاب.. و رسم صورة بيضاء لاعتقال بعض القيادات السياسية ومنها السيد محمد عثمان الميرغني، ثم الحوار مع الأحزاب للوصول الى صيغة تراض وطني ثم ملف السلام وغيرها من تفاصيل أقواله أمام المحكمة..

ومن المنظور المهني الصحفي لا يجوز لنا هنا أو في أية منصة صحفية وإعلامية وزن الحقيقة في كلامه وتغليب الكذب أو الصدق فهو لم يتحدث في مؤتمر صحفي بل أمام القاضي الذي وحده يتولى تقدير ذلك، ولا يجوز التأثير عليه.

لكني هنا فقط أناقش الجزء السياسي في ما حدث أمس دون الخوض في القضية..

من المعلوم أن أي متهم عندما يمثل أمام منصة القضاء فهو لا يصنع وحده خط دفاعه بل تتولى هيئة الدفاع تحديد خط الدفاع ثم تقود المتهم أو المتهمين في المسار الذي يخدم ذلك.

بالضرورة عندما تنقالت وسائط التواصل الاجتماعي قبل أسبوع أقوال قيادات الإنقاذ الذين أنكروا صلتهم بالانقلاب رغم أنهم كانوا في الصف الأول طوال 3 سنة.. كان ذلك تقدير “هيئة الدفاع” لحاجة في نفس يعقوب.. غالباً تتعلق بالوجه السياسي لا القانوني في المحكمة .. والذي هو بيت القصيد الآن..

الخطة التي يسير عليها الدفاع هو تحويل مرحلة “الدفاع” في المحكمة إلى منصة إعلامية مؤثرة وبخطاب إعلامي مدروس يستهدف عدة جهات على رأسها الرأي العام الجماهيري..

هيئة الدفاع تذكر جيداً تفاصيل محكمة رموز الحكومة الحزبية التعددية بعد انقلاب مايو، وبالتحديد محاكمة الأستاذ أحمد زين العابدين المحامي.. وكان يرأس المحكمة العسكرية الرائد زين العابدين محمد احمد عبد القادر.. نجح أحمد زين العابدين في تحويل الجلسات الى منابر خطابة مثيرة ينتظرها الشعب السوداني بشغف أمام شاشة التلفزيون (كانت تسجل وتبث مساء)..

أحمد زين العابدين لم يكن يهمه القرار الذي تصل اليه المحكمة فهو يعلم أنها ما عُقِدت وما ترأسها ضابط نظامي الا لتصل الى حكم معلوم سلفاً سواء أقر أو أنكر أو كان مهذباً أو متحدياً في أقواله.. ولهذا آثر أن يحولها الى منبر خطابة مؤثر –جداً- جماهيراً ، وسجل بها علامة فارقة في سيرته الذاتية لم تمت حتى الآن رغم أنه فارق الحياة قبل حوالى 10 سنوات..

في محكمة مدبري انقلاب الإنقاذ هيئة الدفاع بذكاء نصبت مسرحاً مفخخاً باللغة السياسية العاطفية وهي تعلم أنها تخاطب شعباً يرفع من مقام “الرجالة” ولو كانت في أظلم الظُلم، كما فعل مع أدب “الهمباتة” الذين هم ليسوا أكثر من مجموعة مجرمين لكن الشعر والأدب الشعبي خلدهم كفرسان..

ويبقى النظر في من يحملون بطاقة “النخبة”، أدهشني لحد الصدمة، ما قرأته من تعليقات أزالت كل المسافات التي كانوا يرسمونها بينهم والعامة..

المصدر: التيار

تعليقات الفيسبوك

تـابعـنا علـى واتـسـاب


اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى