تحقيقات وتقارير

مرضى السودان يلوذون بـ”وصفات الماضي” من لهيب الأدوية

ما إن تطأ قدمك سوقاً شعبية أو موقفاً لنقل الركاب في العاصمة السودانية الخرطوم، تسمع أصواتاً لباعة يروجون عبر مكبرات صوت يدوية بالية لأنواع من الأعشاب الطبيعية، مؤكدين قدرتها على شفاء كل الأمراض، خصوصاً المستعصية، مثل السرطان والسكري والضغط والفشل الكلوي وغيرها.

انتشار هذه الظاهرة يعود لعجز كثيرين عن كلفة العلاج الباهظة، وإيمان بعضهم بمسألة التداوي بالأعشاب وما حققته من نتائج مذهلة لدى كثير من المرضى.

يأتي ذلك في وقت يرى متخصصون أن العلاج يجب أن يصفه الأطباء وأصحاب الخبرة، فضلاً عن تحذيرهم من أخطار استخدام الأعشاب بطريقة عشوائية على صحة المرضى، خصوصاً الفقراء منهم الذين يقبلون على هذه الأنواع.

منتجات مجهولة

وأثار الانتشار الواسع لهذه الظاهرة جدلاً كبيراً وسط المجتمع السوداني، خصوصاً أن هؤلاء الباعة يمارسون هذه الأعمال دونما رقيب من السلطات الصحية، فضلاً عن اتهام كثيرين لهم بأن ما يقومون به يعد نوعاً من الدجل على البسطاء، مستغلين جهلهم وحاجتهم إلى الوصول للعلاج بأية وسيلة رخيصة نتيجة أوضاعهم المتردية، وعدم قدرتهم على مجاراة أسعار المستشفيات المتخصصة، بينما يطالب المتخصصون بضرورة الإسراع إلى تقنين العمل بهذه المهنة ووضع ضوابط تحد من تأثيراتها السلبية.

وطالب العديد من المواطنين السلطات الصحية بإعادة النظر في منح التراخيص الممنوحة لمئات المعالجين والمحال التي تبيع هذه الأعشاب، لكن شيخ الأمين مختار الذي يعمل في بيع الأعشاب يرى أن منتجاته العشبية أسهمت في علاج كثير من المرضى ولم يسبق أن اشتكى أحدهم من أعراض جانبية.

وأشار إلى أنه يحصل على منتجاته من مناطق مختلفة في السودان تتنوع ما بين الغابات الاستوائية والمناطق الصحراوية والجبيلة.

وأوضح أن التداوي بالأعشاب عرفه الإنسان منذ آلاف السنيين، وباتت هذه المهنة في تطور مستمر، لكن المشكلة المزعجة هي دخول عدد من الدجالين هذا المجال وخدع البسطاء بأقوال كاذبة عن منتجاتهم وأنها تؤدي إلى الشفاء التام لعدد من الأمراض، فضلاً عن الترويج لمنتجات مجهولة المصدر وذات أضرار كبيرة على صحة الإنسان.

عرق المحبة

في ضاحية مايو جنوب الخرطوم بات من المألوف مشاهدة العشرات من المواطنين يتجمعون حول باعة يفترشون الأرض ويستعرضون منتجاتهم التي تتكون من جذور وأغصان يابسة بجانب بعض أوراق الأشجار بألوان مختلفة.

وربما تشاهد سيارة قديمة يعلوها مكبر صوت يعلن عن علاج بعض الأمراض المستعصية، وفي ظلال أسوار السوق ومواقف المواصلات يجلس بعض التجار الذين يجمعون ما بين الأعشاب وصناعة تمائم مغلفة بالجلد بها بعض الأعشاب والعروق، وأهم تلك المنتجات “عرق المحبة” وهو الأكثر طلباً من قبل العشاق الذين يطلبون ود حبيباتهم أو النساء اللاتي يخشين هجران الأزواج ويتراوح سعره من 6 آلاف جنيه (10 دولارات) إلى 60 ألف جنيه (100 دولار).

نتائج خطرة

وظل الإعلام الرسمي ومنظمات المجتمع المدني يحذران من خطورة التعاطي مع المنتجات العشبية مجهولة المصدر، لكن لا حياة لمن تنادي، فالباعة يزدادون يوماً بعد يوم في ظل ارتفاع الطلب على مثل هذه المنتجات.

وبحسب المتحدث باسم تجمع الصيادلة والمهنيين في السودان حسن جعفر فإن تجار الأعشاب ليست لديهم المعرفة الكاملة ولا الخبرة العلمية المتوارثة، متوقعاً نتائج خطرة تقع على المريض جراء استخدام الأعشاب بهذه الطريقة الخاطئة.

وأرجع جعفر لجوء المريض إلى مروجي الأعشاب بسبب انخفاض سعرها في مقابل ارتفاع كلفة الدواء بالصيدليات، إضافة إلى ارتفاع تذكرة الدخول إلى الطبيب مما يزيد رواج مسوقي العلاجات البلدية، متهماً إياهم بالاستثمار في رغبات المرضى الذين يبحثون عن علاج بكلفة أقل من أدوية الصيدليات.

شكاوى وغش

في المقابل، ظلت جمعية حماية المستهلك تبذل جهوداً حثيثة لمكافحة تجارة التداوي بالأعشاب، وخاضت معارك ضد شركات تجارية تعمل في هذا المجال.

وسبق أن كشف رئيس جمعية حماية المستهلك ياسر ميرغني عن تورط شركات كانت تخلط مكونات من عقار “الفياغرا” بمستحضرات عشبية لعلاج العجز الجنسي.

وأشار ميرغني في رسالة عبر حسابه على “فيسبوك” إلى دراسة علمية أجرتها كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم شملت 30 عينة من الأعشاب جمعت من شركات وأماكن بيع الأعشاب بغرض البحث عن مادتي “السيلدنافيل” و “التادفيل” المستخدمتين في علاج العجز الجنسي وضعف الانتصاب.

ولفت إلى أن الدراسة جاءت بعد أن تكررت الشكاوى من قبل مستخدمي هذه المستحضرات التي تفيد بظهور بعض الآثار الجانبية التي وجدت مشابهة لتلك التي يسببها عقارا “السيلدنافيل” و “التادفيل”.

وأوضح أنه “بناء على تلك الشكاوى كان لا بد من درس احتمال وجود غش من ناحية بعض هذه المستحضرات العشبية”، وأكد أن “الاستخدام المتكرر لهذه المستحضرات العشبية يؤدي بالتأكيد إلى آثار جانبية قاتلة”.

وعزا الأسباب التي أدت إلى زيادة الطلب على المستحضرات العشبية في البلاد لتوفرها والاعتقاد في مأمونيتها وأنها تساعد في تحسين النشاط الجنسي لمن يعانون هذا المرض.

إيمان بالأعشاب

وعلى رغم الأخطار التي تحيط عملية التداوي بالأعشاب، إلا أن الظروف الاقتصادية المتردية تدفع أعداداً كبيرة من المواطنين السودانيين إلى طرق تلك الأبواب، خصوصاً بعد فشل بعضهم في التواصل مع الأطباء والمتخصصين بسبب الكلفة الباهظة، سواء لمقابلة الطبيب أو شراء الأدوية وعمل الفحوص المختبرية.

وقالت أم الحسن الأمين إنها ظلت تلجأ إلى الأدوية البلدية منذ سنوات، وأصبحت أكثر خبرة حتى في منح الوصفات، وأشارت إلى أنها تعالج مشكلات التهابات الكلى بالأعشاب المختلفة إلى جانب استخدام وصفات للعلاج من نزلات البرد وأعراض التهاب القولون ومعدلات السكر في الدم وغيرها من الأمراض.

وعلى رغم تحذيرات عدد من معارفها من مغبة التداوي بالأعشاب مجهولة المصدر، إلا أن أم الحسن أكدت أنها تواصل العلاج بهذه الطريقة نظراً لقلة كلفتها المادية وتوافرها في متناول اليد من دون استخدام أي من وسائل المواصلات.

السودان الجديد

تعليقات الفيسبوك

تـابعـنا علـى واتـسـاب


اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى