منوعات

“راجع صلاتك وعلاقتك بربك”.. هل المؤمن بالله لا يمرض نفسيا؟

لعلّك شعرت بذلك التوتّر الذي يخيّم على النقاشات التي تربط، أو تحاول إيجاد رابط بين التدين والصحّة النفسية، ولعلّك شكوت من ضيقٍ نفسيّ أو اجتاحك قلقٌ شرس، أو وقعت و/أو أحد المقربين منك في شباك الاكتئاب والشعور بالضياع، فجاء النصح بأن تراجع تديّنك وأن تحسّن علاقتك بدينك أكثر من ذي قبل. وعلى الجانب الآخر، كثيرا ما يمكنك ملاحظة الاستخفاف المرافق لأي محاولة ربط تأثير التدين على صحة الفرد النفسية.

مؤخرا، تصاعدت وتيرة حضور مسألة التديّن وارتباطها بالمرض النفسي إثر تعليق انتشر للدكتور حسام موافي، أستاذ الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني، حينما قال إن “المؤمن والقريب من ربه لا يُصاب بالأمراض النفسية”. هذا النقاش ليس جديدًا، إذ تشكّل العلاقة بين التديّن من جهة والصحة النفسية من جهة أخرى إحدى أكثر العلاقات جدليّة واستقطابا في المجال النفسي، في العالم عموما وفي الوطن العربي خصوصا. فهل هناك علاقة أصلا؟ وكيف يمكن لنا أن نربط بين النفسي والدين/التدين؟ هل يمكن أن يُصاب المتدين بالمرض النفسي أم أنّ تدينه يحصّنه -بالضرورة- تجاه ذلك؟ وهل يعكس الذهاب إلى المعالج أو الطبيب النفسي ضعفا في تديّن صاحبه أو خللا في إيمانه؟

في هذا التقرير، نعرض للأصول العلمية البحثية لهذه العلاقة في علم النفس، وأهم أوجهها التي أُثبِتت بالأبحاث العلمية، وإلى أي مدى يمكن فهم نتائج هذه الدراسات، وبعض المواقف والفتاوى الفقهية الإسلامية التي حاولت تحرير هذه العلاقة.

تديّن أم رُوحانية: عمّ نتحدث تحديدا؟

إذا أردنا أن نبدأ التقرير بداية صحيحة، فدعونا ننطلق بتحرير المفاهيم وضبطها، حتى لا نقع في فخ الحديث العام غير المنضبط. إذ إن التوتر الحاصل في العلاقة “الملتبسة” بين الدين والصحة النفسية، كثيرا ما يمكن أن نرده إلى الخلل في المفاهيم. عن أي دينٍ نتحدث؟ وماذا نقصد بالتديّن؟ وكيف يختلف عن “الروحانية”؟ وما “الصحة النفسية” و”الأمراض النفسية”؟ وكيف يمكن قياس مفهوم بهذه الضبابية؟ هل نقيسه علميا بالاعتماد على ما يقوله لنا الشخص من تعريف ذاته على أنه متدين أو منتمٍ للدين أم على معايير مثل التزامه بالشرائع كالصلاة والصيام؟ أم أن الباحثين يلعبون دور المُقيِّم لتديّن الأفراد عبر مقابلتهم وتقييم صدق تدينهم من عدمه؟

حسنا، تختلف الأبحاث في كيفية تعريفها للتدين أو مرادفاته -تجاوزا- مثل “الروحانية” و”الإيمان”، وكلٌّ منها يعتمد على تعريفه أو طريقته الخاصة في القياس. إلا أنّ هناك محاولات متزايدة من الباحثين أنفسهم لإنشاء قواعد أو توجيهات عامّة لكيفية قياس ذلك بحثيّا بطريقة دقيقة وذات موثوقية عالية،(1) مع التنويه أيضا إلى أنّ الدين نفسه يحتوي على الكثير من المفاهيم والتفرّعات النظرية والسلوكية العمليّة، وكل فرعٍ منها قد يكون له أثر مختلف عن الآخر على النتيجة النهائية التي نسعى إلى قياسها. وهناك أبحاث حديثة تحلّل أثر اختلاف المفهوم المبدئي على النتائج البحثية وقوتها.(2) أي أن الدراسات تُشير إلى أهمية تخصيص الأبحاث لدين معين أو التفريق بين الأديان نفسها لدى المشاركين في الدراسة الواحدة، بدلا من الحديث عن الدين بشكل عام؛ لأنّ الأديان تختلف فيما بينها في تصورها للسلوك أو الظاهرة النفسية الواحدة.

في مثالٍ على نقد استعمال “التدين” و”الروحانية” على أنهما مرادفان للظاهرة نفسها، وجد بحث فرّق بينهما في إنجلترا عام 2013 -وكان قد أجري على أكثر من 7000 شخص- أنّ الروحانية ارتبطت بنسب أعلى من القلق واضطرابات الأكل وإساءة استخدام المواد الخطرة والرُّهاب والاضطرابات العصابية، بينما ارتبط التديّن بنتائج معاكسة. وكانت خلاصته أنّ الفهم أو التصوّر الروحاني للحياة في غياب هيكل أو إطار ديني يعني حساسية أكبر للاضطرابات النفسية.(3)

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ هذا المجال البحثي ما زال في بداياته، حيث لم يكن عدد الأبحاث التي تتناول هذه العلاقة وما يندرج تحتها كبيرا في القرن الماضي (لأسباب كثيرة لا يتّسع المقام لذكرها في هذا المقال)، إلى أن جاءت فترة منتصف التسعينيات تقريبا، حيث أخذ الاهتمام يتزايد ويحضر بشكل كبير على صعيد البحث التجريبي والممارسة كذلك في علم النفس والطب النفسي.(4)

تحصين النفس وسرعة تعافيها: علاقة التديّن والروحانية باضطراب الاكتئاب
هناك مئات الدراسات التي أجريت على ما مجموعه ملايين البشر، وتُظهر لنا بوضوح أن المتدينين والأكثر روحانية -إجمالا- هم أقل إصابة بالكثير من الأمراض النفسية (كالاكتئاب والقلق) والجسدية (مثل السرطان وأمراض القلب والجلطات)، وهم أيضا أقل انتحارا، وأكثر قدرة على التعافي وبشكل أسرع، وأكثر قدرة على التأقلم مع ضغوطات الحياة، بالإضافة إلى أنّهم أكثر مناعة حتى على المستوى البيولوجي تجاه بعض الأمراض الجسدية. هذا كلّه إذا ما قورنوا بفئة غير المتدينين والروحانيين على صعيد الجماعة وليس الأفراد، وبوصفهما فئتين كبيرتين تختلفان في هذا العامل تحديدا.(5)

في أحد أهم الأبحاث التي نُشرت عام 2012، وراجعت جميع الدراسات (444 دراسة) التي تناولت العلاقة بين التدين/الروحانية -عموما- بالاكتئاب، بمنهجية، على مدى 50 عاما (1962-2010)، وُجد في 60% منها (أي معظم الأبحاث المستدخلة في التحليل المنهجي) نسب اكتئاب أقل وشفاء أسرع كلما زاد تديّن الشخص أو روحانيته، بينما 6% منها فقط وجدت العكس. بالإضافة إلى ذلك، 67% من فئة الدراسات الأكثر قوة في منهجيتها سجّلت نسب علاقة عكسية واضحة بين الاكتئاب والتدين/الروحانية.

فُسّرت النتائج بأنّ الدين يمنح المؤمنين به مصدرا للمعنى والأمل، وبيئة اجتماعية داعمة عادةً ما تتشكل بين “مُجتمع المؤمنين”، بالإضافة إلى بعض الوسائل الفعّالة للتعامل مع الضغوط وظروف الحياة الصعبة. من جهة أخرى، استنتجت هذه المراجعة المنهجية أنّ التدين في بعض الحالات يسبّب شعورا مفرطا بالذنب عند الخطأ وعدم تحقّق المُثل الأخلاقية العليا التي يسعى الشخص لتحقيقها؛ ما يُدخله في دوامات من الاكتئاب والشعور بالفشل الذاتي. ومن ثَم، فهي ليست علاقة سببية مباشرة، بل تعتمد على بعض العوامل الوسيطة التي تدفعها إلى جانب دون آخر.(6)

وفي دراسة حديثة (2019) لاحقة، تم تحليل الدراسات التتبّعية7 (Prospective) فقط، والتي تُعدّ أقوى بكثير من نظيراتها المقطعية(6) (Cross-sectional)، وأكّد هذا البحث النتائج التي وصلت إليها المراجعة المنهجية السابقة من أنّ التديّن أكثر ارتباطا عموما بمؤشرات إيجابية فيما يخصّ الاكتئاب. إلّا أنّ هذه الدراسة حاولت تحليل الجوانب المختلفة داخل التدين نفسه في الدراسات المُستدخلة أيضا، ووجدت أنّ المرور بصراع داخلي دينيّ (Religious Struggle) قد يكون سببا في زيادة سوء الاكتئاب أو يقلّل من القدرة على التأقلم الإيجابي والتعافي منه (في أكثر من نصف الدراسات). وهذه نتيجة جدَليّة إلّا أنّها تشير إلى حقيقة مهمةٍ من أنّ التديّن بحد ذاته قد يحمل ممارسات وجوانب مختلفة قد تؤدّي لنتائج مختلفة عند دراسة كل منها على حدة.(7)

أما في في دراسة أخرى، فقد أُجريت من قبل كلية الصحة العامة في جامعة هارفرد ونُشرت عام 2018، كانت النتائج شديدة الوضوح بأنّ المشاركة في النشاطات والممارسات الدينية والروحانية (مثل الصلاة والتأمل) دَوريّا منذ الصّغر هو أمرٌ مرتبطٌ جدّا بمؤشرات الصحة النفسية الإيجابية، وتحديدا تقليل فرص الاكتئاب والتدخين والإدمان، وزيادة احتمالات الشعور بالرضا والإيجابية في فترة العشرينات من العمر.(8)

روابط متينة مع الوجود: علاقة التدين والروحانية بالانتحار
تبدو ظاهرة الانتحار إحدى أكثر الظواهر النفسية ارتباطا بالدين، فهي تعاكس أحد أهمّ قيمه ومقاصده (حفظ النفس) كما في الدين الإسلامي على سبيل المثال. وكما أنّ من أهداف الطبّ -عموما- الحفاظ على النفس البشرية وتحسين مستوى حياة البشر، فإنّ الأديان إجمالا تحتوي على عدد هائل من التأكيدات والشواهد على أهمية عدم اليأس والقنوط، ومجابهة صِعاب الحياة بإيجابية وأملٍ، بما قد يصل إلى تحريم أي شكل من أشكال إيذاء النفس وإلقائها في التهلكة. ولذلك، اهتمّ الباحثون بدراسة هذه العلاقة بشكل كبير. وتكاد تُجمع الأبحاث كلها على أنّ نسب الانتحار أقل بكثير لدى المتدينين، رغم حدوثها بينهم طبعا.

في إحدى أهم المراجعات المنهجية التي درست هذه العلاقة عام 2016، لم يكتفِ الباحثون بدراسة سطحية لهذه العلاقة، بل حاولوا تفصيل الجوانب المختلفة للتدين (من التعريف به بوصفه هويّة، إلى مدى الالتزام بالممارسات الدينية، إلى اختلاف مذاهبه بين المتديّنين)، وكذلك الجوانب المختلفة للانتحار (من التفكير به، إلى التخطيط، إلى المحاولة، إلى استكمال الفعل بحد ذاته)، وبعد تحليل الأبحاث التي أُجريت في آخر 10 سنوات (89 بحثا)، وُجد أن التديّن بمستوياته المختلفة مرتبطٌ بتقليل احتمالات محاولة الانتحار (حتى بعد ضبط عامل الدعم الاجتماعي وتحييده)، لكن التديّن (هويّة وممارسة) لم يرتبط بشكل دالٍّ إحصائيا بتقليل التفكير بالانتحار (مرحلة ما قبل المحاولة).(9)

وفي مراجعة منهجية نُشرت قبل هذه بسنة (2015) وتناولت حالات الانتحار التي سُجّلت فعلا في جميع أنحاء العالم، كانت النتائج مشابهة، فوجود التديّن كان مرتبطا بتقليل احتمال حدوث انتحار إلى الثلث تقريبا، لكن ما أضافته هذه الدراسة هو أن الآثار الوقائية للتدين كانت أقوى بكثير في المجتمعات التي يسود فيها دينٌ معين لدى أغلبيتها، ولدى فئة كبار السن، وفي الثقافات الغربية.(10)

وفي سياق التفريق بين أثر اختلاف الدين نفسه على نسب الانتحار، تتناول بعض الأبحاث أثر التدين لدى المتدينين في كلِّ دينٍ على حدة، مع محاولة تحييد أثر المستوى المادي والاجتماعي على هذه النتائج. ما زالت هذه الأبحاث في بداياتها، ولا يكفي ما لدينا من أبحاثٍ اليوم للخروج بخلاصاتٍ حاسمةٍ حيالَ اختلاف الأديان في مستوى الحماية الذي توفره لأتباعها من الانتحار، لكن أشهرها تلك التي اعتمدت على بنك بيانات منظمة الصحة العالمية والتي استنتجت أنّ نسب الانتحار أقل بكثير في الدول التي تحتوي على أغلبية مُسلِمة، مقارنة بالدول التي فيها أغلبية مسيحية أو هندوسية أو بوذية أو لادينية.(11)

هذه الأبحاث نفسها تحذّر من محدوديتها، فهي لا تأخذ التنوع الفردي في مستوى التدين بعين الاعتبار، ولا تدرس التدين إلا من خلال الدول ذات الأغلبية المتدينة بدين معين. على كل حال، تعطينا هذه الدراسات مؤشرات عامة على أهمية السياق الثقافي في تشكيل لَبِنة تحريم وقائي ووصمة “إيجابية” (إن جاز التعبير)؛ لكون الناس يتعاملون مع الانتحار على أنه حَدَثٌ جَلَل.

ويمكن المجادلة بشكل جيد على أهمية هذا التحريم الوقائي (حتى لو جاء في إطار تنفيريّ وترهيبيّ) إذا ما علمنا أنّ (محاولة الانتحار) بحدّ ذاتها تشكّل أهمّ عاملِ خطر يتوقّع حدوث محاولة أخرى والانتحار حقيقة في المستقبل. وقد وجد بحثٌ نُشر في 2016 في المجلة الأميركية للطب النفسي أنّ وجود محاولة سابقة هو عامل خطر أهم بكثير مما كنّا نتصوّر، وتكاد تكون معظم حالات الانتحار المُسجّلة في البحث تمّت لأشخاص قد حاولوا مسبقا.(12)

ووجد بحثٌ سابقٌ آخر أنّ الإشكالات والاعتراضات الأخلاقية على فعل الانتحار ومستويات العنف المنخفضة لدى المتدينين كانت هي العوامل الوسيطة لديهم لمنع المحاولة من الأساس، في تأكيدٍ على قيمة المنع الأخلاقي في تقليل حالات الانتحار بشكل مباشر.(13)

التدين والروحانية: مناعة نفسية وهدايا إيجابية أخرى

تتضافر الأبحاث شيئا فشيئا لتقول لنا إن هناك دورا حقيقيّا يؤديه التدين في زيادة سبل الوقاية والشفاء من الأمراض النفسية، إلا أنّ ما يجب معرفته كذلك هو أن العلاقة ليست سببية مباشرة.
درست أبحاثٌ أخرى العلاقة بين التديّن والعديد من الاضطرابات والظواهر الأخرى، لا الاكتئاب والانتحار فقط. على سبيل المثال، أكّدت مئات الدراسات أنّ المتديّنين أقل عُرضة لسوء استخدام الموادّ (كالمخدّرات والكحول)، وأنّهم -عموما- أكثر رضا وصحّة عامّة في حياتهم.(14)

ولم تُهمل دراسة هذه العلاقة أيضا في السياق العربي والإسلامي، حيث يمكن إيجاد بعض الأبحاث التي أُجريت في سياق إسلامي تماما كإيران. وتناولت تأثير الاستماع لقراءة القرآن الكريم على مؤشرات الصحة النفسية، ومدى ارتباط الممارسات الدينية الإسلامية بالأمراض النفسية الشائعة ومستويات الرضا والسعادة.(15 16 17)

على الجانب الآخر، لا يمكن إنكار أن هناك دراسات وجدت نتائج مقابلة، مثل أنّ التدين قد يكون عائقا نفسيّا لدى بعض الأفراد (مثلا: كبار السنّ المتدينون يميلون لعدم اللجوء إلى المساعدة عند معاناتهم بعض الأعراض النفسية)(18)، أو أنّه قد يكون مركِّبا أساسيا من مركّبات المرض النفسي (في القلق والاكتئاب والذّهان مثلا).(19) لكنها تبقى دراسات محدودة وقليلة العدد وأقل قوة منهجيّا إذا ما قورنت بالدراسات السابقة.

من أين تنبع كل هذه الفوائد والانعكاسات الإيجابية للتدين؟

إنّ معظم الأبحاث العلمية، وحتى ممارساتنا الطبية، قائمةٌ على مبدأ “عوامل الخطر (Risk Factors)”، والتي بدورها تعتمد على مفهوم الارتباط وليس السببية، حيث من الصعب جدّا إحصاء جميع العوامل التي تؤدي دورا في تسبيب ظاهرةٍ ما. ومن ثَم، فإنّ ما نستطيع فعله علميّا هو دراسة الارتباط بين عاملين أو ظاهرتين دون الجزم بأنّ أحدهما هو السبب المباشر للآخر، تحديدا في ظواهر ومفاهيم متعددة العوامل والمركّبات مثل الدين والصحة النفسية.

إذن، فالارتباط بين شيءٍ وآخر لا يعني علاقة سببية مباشرة بينهما. هذه مقدّمة مهمّة لفهمنا للعلاقة بين التدين والصحة النفسية، ولجميع الدراسات والنتائج التي عرضناها سابقا في هذا المقال. ولأنّ الارتباط (حتّى لو كان قويّا) لا يعني السببيّة بالضرورة؛ يحاول الباحثون دائما تحديد العوامل التي قد تؤثر على دراستهم، واختزال المفاهيم الكبرى إلى عناصر أصغر تشكّل هذا الشيء الكبير، خصوصا أنّ المتغيّر الكبير نفسه قد يؤدي دورا إيجابيّا لدى بعض الناس، وسلبيّا لدى آخرين.(20)

وتشير دراساتٌ إلى إمكانية وجود تحيزات في نتائج الأبحاث بسبب أنّ المتدينين هم أكثر عُرضة للإجابة عن أسئلة البحث باتجاه إيجابي (Response Bias)، وتدعو إلى عدم الاكتفاء بقياس الارتباط بين التدين والصحة النفسية، بل الغوص عميقا أكثر لفهم العوامل الوسيطة والإستراتيجيات الكامنة في سلوك المتدينين ومعتقداتهم.(21)

حاولت بعض الأبحاث اختزالَ التديّن في عوامل أساسية وسيطة (Mediators) قد تكون الأسباب الكامنة التي تفسّر قلة نسب الأمراض وزيادة احتمالات الصحة النفسية لدى المتديّنين.(22 23 24)

ووجدوا أنّه يمكن تلخيص أهمّ هذه العوامل الوسيطة في النقاط التالية:

بعض الممارسات مثل: الامتنان (أو الحمد) والتأمل والصبر.
الجانب الاجتماعي للتدين (الانتماء لجماعة، وما يتبعه ذلك من ممارسات وسلوكيات جماعية والشعور بالدعم الحقيقي والمُتخيّل منها).
منح الشخص المتدين نماذج وسرديات كبرى لتفسير الأحداث ومنح المعنى.
دفع المتديّن بعيدا عن بعض السلوكيات السلبية المهمّة في السياق الصحي النفسي (كالتدخين وشرب الكحول والمخدِّرات والانتحار).

ورغم محاولات اختزال التديّن في العوامل الوسيطة، والقول بأنّ وجود هذه العوامل كفيلٌ بتحقيق الآثار الإيجابية دون وجود دين بالضرورة، يجادل آخرون بأنّ ميزة الدين أصلا هي أنّه يجمع هذه العوامل، وأنّه من الصعب جدّا جَمْعُها في هيكل أو إطار آخر. فتفكيك التديّن واختزاله فيها لا يُنقص من دوره شيئا، بل ربّما يزيد من تقدير أهميته.

يُمكن للأبحاث المستقبلية أن تتغلب على إشكال التحيزات في المنهجية، والتعريفات الفضفاضة، إلّا أنّ طريقة تفسير العوامل الوسيطة ستبقى مثار جدل فلسفي لا يمكن للعلم أن يحسمه.

إذن، هل يحميكَ التديّن من الإصابة بالأمراض النفسية؟ وهل الذهاب إلى الطبيب النفسي “حرام”؟
إنّ الدين هو أحد أهم روافد المعنى لدى الإنسان، وهذا أمرٌ ثابتٌ في تاريخ البشر وحضاراتهم المختلفة عبر الزمن، من شرقها إلى غربها. ومن البديهي أن ما يمنح المعنى للإنسان، يجعله أكثر قدرة على مواجهة مصاعب الحياة. فكما يقول نيتشه: “إن من يمتلك إجابة على سؤال (لماذا)، يمكن له أن يتحمل أيّ (كيف)”.

تتضافر الأبحاث شيئا فشيئا لتقول لنا إن هناك دورا حقيقيّا يؤديه التدين في زيادة سبل الوقاية والشفاء من الأمراض النفسية، إلا أنّ ما يجب معرفته كذلك هو أن العلاقة ليست سببية مباشرة، فهناك ملحدون وغير متدينين يعيشون بصحة نفسية جيدة، وهناك متدينون يصابون باضطرابات نفسية وربما ينتحرون أيضا، وقد يؤدي التدين دورا في التسبب بالمرض أو زيادة شدّته. وهذه خلاصةٌ ناجزةٌ عند معظم المتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس. ومن هنا، يجب التفريق بين القول العام والتعامل المتخصص مع كل حالة على حِدة.

الصحة النفسية (Mental Health) والرفاه النفسي (Well-being) مفاهيم تكامليّة وتشابكيّة لا يمكن لعاملٍ واحد أن يحسمها دون تفاعل مع العوامل الأخرى. ومعتقدات الإنسان الروحانية والدينية، وما تفرضه عليه من سلوكيات هي عامل واحد -على أهميته- علينا أن نفهمه بارتباطه بالعوامل البيولوجية والنفسية الشخصية والاجتماعية الأخرى (كالثقافة والبيئة السياسية والوضع الاقتصادي والاجتماعي)

وكما أنّ الصحة مفهوم متعدد العوامل والأسباب، كذلك المرض النفسي، فهو له جذور متعددة، من البيولوجية إلى النفسية إلى الاجتماعية، بل إنّ العديد من الحالات النفسية قد تكون بسبب مباشرٍ من أمراض عضوية بحتة، أو موادّ أو أدوية. كما أنّ الأمراض النفسية تصيب الأطفال وهم غير مكلّفين أصلا. وهكذا يكون من الخطأ، بل ومن التضليل، ربط الحالة النفسية ككلّ بالحالة الدينية أو الإيمانية دون أخذ العوامل الأخرى وتشابكها المعقّد بعين الاعتبار.

الدليل العلمي القوي على علاقة الصحة النفسية من جهة (بما تعنيه من مؤشرات نفسية أكثر إيجابيةً ومَنَعةً تجاه الإصابة بالأمراض وقدرةً على الشفاء منها)، وبالتديّن والروحانية من جهة أخرى، هو موجود وفي تزايد مستمر. ورغم الإشكالات النظرية والعملية، يمكن القول إن التديّن مفيد نفسيا للمتدينين في معظم الأحيان، لكن من المهم أنّ نتذكر دائما أنّ هذه خلاصة عامة تحتاج إلى تفصيل وشرح، ولا تنطبق على جميع الحالات، وتعميمها باستغراق تامّ هو تضليلٌ، ما لم يُتبع باستدراك لمعنى الارتباط في البحث العلمي، ولعرضٍ للحالات التي قد يؤدي التدين فيها دورا في نشأة الاضطراب النفسي حتى وعائقا تجاه الشفاء منه، بالإضافة إلى فهم حدود هذه العلاقة وتعدّد وتشابكية العوامل المسبّبة للأمراض وللصحة النفسية على حدّ سواء.

إنّ من البداهة في حال فهم ذلك ألّا تكون استشارة الطبيب أو المعالج النفسي قَدحا في تديّن المرء أو إيمانه، فـ{لا يكلّف الله نفسا إلّا وُسعها}. ولذلك تجتمع الكثير من الفتاوى الإسلامية على جواز ذلك، ونفي تلازم العلاقة بين الإيمان والمرض، بل وتدلّل على ذلك بمستويات الأدلة الشرعية المختلفة.(25 26 27)

529084369
إنّ من الجميل (والمؤلم في الوقت نفسه) عند مراجعة التاريخ أن نجد كبار علماء المسلمين (كأبي زيد البلخي وابن سينا) قد وصلوا إلى هذه الخلاصات قبل مئات السنين، بل وألّفوا في وصف الأمراض النفسية وأسبابها وعلاجاتها ما لا يقلّ كثيرا في مستواه عن الطب النفسي الحديث اليوم،(28 29) بل وامتدّ ذلك إلى ممارسة الطب النفسي (وإن لم تكن المسمّيات نفسها)، فقد بُني أول مستشفى متخصص لعلاج الأمراض النفسية في العالم في بغداد-العراق عام 705 للميلاد. 30 وقد دفع هذا المستوى من الحضارة والتقدّم “ألين فرانسس”، أحد أشهر الأطباء النفسيين الأميركيين، أن يصف ممارسة الطب النفسي لدى المسلمين والعرب بأنّها الأرقى في التاريخ في تعاملها مع المرضى وعلاجهم.(31)

موقع الدين والروحانية في العلاج النفسي نظريّا وعمليّا
في السنوات الأخيرة، زاد الاهتمام باتجاه تقدير التدين والروحانية لدى المرضى في ممارسة العلاج النفسي، وبات يُنصح الأطباء والمعالجون باستكشاف هذه المساحات من حياة المريض؛ لأنّها تشكّل جزءا مهمّا من قيمه وشخصيته، وتجعل المتخصص أكثر قدرة على فهم الشخص بشكل شامل. وأصبح يعتمد الكثير من الأطباء والمعالجين على إيمان الشخص وتدينه في تحسين حالته النفسية، ولا يعارضونها من منطلق أنهم “علماء محايدون”، حتى ولو لم يوافقوا المريض في إيمانه ومعتقداته. يقول “إرفين يالوم”، أحد أهم المعالجين النفسيين الوجوديين في العالم، وهو غير مؤمن؛ إنّ مهمّته الرئيسة هي تحسّن المريض ومواجهته لمخاوفه ومشكلاته بطريقة إيجابية ومنتجة، وليس إسقاط معتقداته وأجندته الخاصة عليه، ولذلك فهو يسعى إلى تعزيز إيمان الشخص وممارساته الدينية إذا شعر بأنّ ذلك مفيدٌ ويصبّ في مصلحته.

وعلى الصعيد النظري، زاد عدد الأبحاث التي تتناول الطرق الأمثل لاستدخال الدين بممارساته وأفكاره داخل العلاج النفسي للمتدينين، وتلك التي تُوصي بتخيّل الدين/الروحانية بصفتها بُعدا رابعا للنموذج البيولوجي-النفسي-الاجتماعي المُعتاد في التعامل مع الأمراض النفسية.(32 33 34) وأصبحت الكثير من الجامعات العالمية والمؤسسات العريقة مهتمّة بالاستثمار في البحث والتطوير في هذا الجانب، بل وبناء الشراكات المُثمرة مع الجهات الدينية، مثل أئمّة الجوامع والقساوسة ورجال الدين على أعلى مستوى؛ من أجل مصلحة المرضى.(35)

ومن الجدير بالذكر أن الاقتباس من الأفكار والممارسات الدينية ليس فعلا جديدا تماما، فقد استخدمته المعالجة النفسية “مارشا لينيهان” حين خرجت بالعلاج الجدلي السلوكي (DBT) والذي أثبت نجاحا كبيرا في علاج الميول الانتحارية واضطراب الشخصية الحدّية، وطريقة العلاج تستلهم جزءا لا بأس به من الديانة البوذية. وحديثا، تُوصي بعض الأبحاث بأنّ على المتخصصين نُصْح مرضاهم بممارسة الصلاة (إذا كانوا متدينين) كما ينصحونهم بممارسة التأمل مثلا.(36، 37)

الجزيرة

تعليقات الفيسبوك

تـابعـنا علـى واتـسـاب


اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى