أخبار السودان

أبرزه جدل آلية حمدوك (كاريزما القائد).. سودان ما بعد الثورة يبحث عن كبير

السودان الجديد _ فراغ عريض تعيشه البلاد استنتجه البعض عقب الجدل الكثيف الذي تصاعد بفعل آلية تنفيذ مبادرة رئيس الوزراء.. فراغ أرجعه البعض لدوامة الصراع السياسي المتجدد بأشكال مختلفة، ليعمق من مساحة الشقاق وسط القوى والتنظيمات السياسية الفاعلة، مُحدثًا حالة من عدم توازن الساحة السياسية وانكماش التيارات الموجودة وراء مصالحها وأطماعها الضيقة تهدد واقع السودان ما بعد ثورة ديسمبر المجيدة كما يرى الثوار..

الخرطوم: مهند عبادي
واقع الحال.. تفاصيل مشاهد يومية
فالناظر للاوضاع حاليا يجد أن الانقسام والتناحر هما سيدا المشهد بعد أن داست كل المكونات الموجودة فيه على أهداف وغايات الثورة الظافرة، وذلك نتج لعوامل عدة ولكن يظل غياب الحكمة أبرز تلك العوامل وهي المدخل السليم لإعلاء قيم الوطنية والقومية والعمل الجماعي وغيرها من ممسكات الوحدة والتكاتف التي قامت عليها الثورة المجيدة وجسدها تجمع المهنيين القائد الملهم الذي التفت حوله جموع جماهير الشعب السوداني حتى توج ذلك الحراك بإحداث التغيير المنشود وانهاء حقبة الانقاذ واسقاط الرئيس المخلوع .
///////////////////////////
الصادق المهدي.. الفراغ المميت
شكلت وفاة إمام الأنصار ورئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي علامة فارقة في التأريخ السياسي، فبرحيله فقدت البلاد آخر الحكماء والكبار ممن يعتد بآرائهم ويعتبرون مرجعية أساسية في كل خطوات البناء الوطني..
ورغم اختلاف البعض سياسيا مع الإمام المهدي، الا أنه كان يمثل نقطة التلاقي الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عندها اهل السودان وساسته رغم تباينهم ومنه تخرج المبادرات الوطنية التي تحظى باجماع الكافة، ولكن عقب الرحيل المفاجئ للامام والذي كان يشكل ركيزة أساسية تقوم عليها قواعد سودان ما بعد الثورة المجيدة افتقدت البلاد الشخصية التي يجتمع عندها الكل وتنتهي عندها المشكلات وتنضج الحلول للقضايا المختلفة. الإمام المهدي اضافة إلى الراحل محمد ابراهيم نقد ومحمد أحمد المحجوب والزعيم اسماعيل الأزهري وغيرهم من القادة الذين تمتعوا بصفات القيادة والحكمة كانوا من الشخصيات الملهمة والتي عليها اجماع واسع ولا يشكك احد في وطنيتهم واعلاء مصلحته على ما سواها لذلك كانوا ولا يزالون اصحاب كاريزما يصعب أن يوجد مثيل لها وسط قادة العمل السياسي في البلاد حاليا .
/////////////////////////
قيادات ورموز.. أسماء و(لكن)!!
بلاشك فإن الأحزاب السياسية مليئة بالقيادات والرموز ولكن المعضلة الحقيقية تتمثل في غياب الاجماع حول هؤلاء الشخصيات، فالانقسامات والتيارات تتناسل داخل القوى السياسية وتتعدد اللافتات، وقد يقول قائل إن الطموح حاليا ليس في من هو القائد وان الواجب يحتم على السودانيين عقب التغيير الانحياز إلى الوطن بأكمله والقيادة الجماعية والابتعاد عن الشخصيات ولكن الحديث هنا يتعلق بأهمية وجود حكيم أو كبير يمتلك كاريزما القيادة التي تمكنه من القراءة والرؤية السليمة لمآلات الاوضاع السياسية على المستوى المحلي والدولي وبامكانه استقراء المستقبل ووضع حل للمشكلات والقضايا السياسية التي تنخر في جسد البلاد وتعطل مشاريع الانطلاق نحو سودان المستقبل.
والموجودون في الساحة السياسية حاليا وعلى قيادة الأحزاب والدولة مثل علي الريح السنهوري كواحد من الكبار المؤثرين على مجريات الاوضاع في البلاد حاليا يقول واقع الحال إنه غير محصن من الانتقادات ولا يحظى بإجماع كامل على مستوى حزبه العربي الاشتراكي كما أن توجه الحزب العربي يقلل – بحسب مراقبين – من مكانة السنهوري في قيادة الساحة السياسية..
فالسنهوري رغم مواقفة السياسية ونضالاته الكبيرة، الا انه – بحسب هؤلاء – لا يمتلك صفات وسمات القيادات الوطنية التاريخية التي مكنتهم من الاستحواذ على قلوب الناس وأصبحوا بفضلها رموزا وساسة يجتمع عندهم الكل دون النظر إلى الانتماءات الحزبية وشكلوا مرجعة وطنية تعلو عندها قيم الوطن على ما سواها .
//////////////////////////
الخطيب.. شخصية خلافية وتصادمية
والناظر إلى محمد مختار الخطيب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني أيضا يلحظ بجلاء مستوى الانقسام داخل اروقة الحزب بسبب الصراع الطاغي للقيادات التأريخية فضلا عن كونه واحدا من الشخصيات الخلافية والتصادمية مما يقلل فرص كونه قائدا يجمع ولا يفرق، اضافة إلى ذلك فإن قادة الحزب الشيوعي على خلاف كبير مع مختلف التيارات السياسية بفعل التزامهم التام بمبادئ الحزب وعدم تطوير الرؤية الوطنية لتتماشى مع واقع المجتمع و الظروف المحيطة به على المستوى الوطني والعالمي سواء أكان الأمر في الاقتصاد أم السياسة الخارجية أم خلافها من النقاط الأساسية المشكلة لأس الخلافات السياسية في الساحة السودانية .
/////////////////////////////
زعيم التسعينيات مولانا الميرغني.. (لا يمكن الوصول إليه حاليا)
وفيما يتعلق بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، يرى كثيرون أن كاريزما مولانا محمد عثمان الميرغني الذي توهط ردحا من الزمان على رئاسة اكبر تحالف سياسي تاريخي ابان التسعينيات في التجمع الوطني الديمقراطي، افتقد الكثير داخل اروقة الحزب بفعل العمر والصراع الدائر حاليا بين ابنيه الحسن وجعفر الميرغني للظفر بقيادة السجادة الختمية والحزب الاصل، اضافة إلى الشرخ الكبير على مستوى قيادة الاتحاديين الذي حدث بفعل مقدرات الشريف الهندي الفكرية وقدرته على قيادة تيار اتحادي عريض اصبح هو المرجعية والقائد لهم، فالاوضاع داخل اروقة الاتحادي لا تمكن القيادة الحالية للحزب من تسنم زمام الامر أو تقديم النموذج الوطني الذي يمكن أن يشكل مرجعية تجتمع عندها مختلف الوان الطيف السياسي السوداني، اتحاديا أيضا ربما يمثل الشيخ أزرق طيبة مرجعية ودور المرشد للحزب الاتحادي الوطني بقيادة يوسف محمد زين ولكن هذه المرجعية لا يمكن أن تكون شاملة لكل السودانيين بالنظر لطبيعة الصراع التأريخي داخل أروقة الحزب الاتحادي الديمقراطي بكل لافتاته..
//////////////////////////
آل المهدي.. لا بديل للإمام إلا الإمام
يحاول مبارك الفاضل المهدي من خلال ظهوره في الاعوام التي تلت الثورة الحوز على زمام المبادرة والقيادة على مستوى حزب الأمة والعمل على ملء الفراغ الذي خلفه رحيل الصادق المهدي، ولكنه يصطدم بتيار عريض داخل الحزب والطائفة رافض لمبارك، ولا يجمع عليه لتولي الامامة وقيادة الأنصار والحزب، مما يعني أن فرص مبارك في خلافة الصادق المهدي تبدو ضعيفة في ظل الخلافات والتيارات المتلاطمة داخل حزب الأمة..
كما أن اجراءات الحزب الاخيرة عقب وفاة الصادق توحي بأن الطريق قد لا يكون سالكا أمام مبارك الفاضل للظفر بقيادة الأنصار والحزب في ظل تكهنات وترتيبات كبيرة تجريها الاسرة المهدوية ومجلس التنسيق والمكتب السياسي للحزب وهيئة شؤون الأنصار في هذا الشأن .
////////////////////////////
أبرزتها الثورة.. أحزاب صغيرة بأدوار كبيرة

والحال بالنسبة لبقية القوى السياسية الحزبية لا يختلف كثيرا فكلها تبدو عاجزة عن تقديم البديل أو القائد، ففي البعث السوداني والحزب الناصري والمؤتمر السوداني والتجمع الاتحادي والحركة الشعبية أو حتى حركات الكفاح المسلح التي في طريقها للتحول إلى احزاب سياسية، فان استحداث القائد أو الشخصية الحكيمة التي يمكن أن يلتف حولها السودانيون أصبح امرا في غاية الصعوبة وان لم يكن مستحيلا، فهي صفات يمكن اكتسابها بفعل التدرج في العمل السياسي الوطني السليم البعيد عن الصراعات الذاتية الضيقة.
//////////////////////////
مبررات الغياب.. التحليل بأكثر من زاوية
وللتنقيب أكثر عن هذه الحقيقة يقول القيادي بحزب الأمة القومي عز الدين أحمد دفع الله إن التنظيمات السياسية ظلت تعاني من غياب الشخص القائد والملهم كما كان عليه الحال في تلك الاحزاب ايام الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وحتى الآن الساحة خالية تماما من وجود مثل هذه الشخصيات الذين كانوا يتمتعون بنجومية ومكانة عالية، ويضيف عزالدين في حديثه لـ” السوداني أن الحزب الشيوعي فقد الكثير وعجز عن تقديم شخصيات ملهمة كعبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ ومحمد ابراهيم نقد، وكذلك الحال بالنسبة لحزب الأمة القومي فبعد الصادق المهدي الاوضاع لا تبشر بوجود شخص ملهم يجمع الناس حوله، اضافة إلى أن تواجد مولانا الميرغني على قيادة الاتحادي الاصل في ظل الصراع الدائر حاليا بالحزب يؤكد خلو الساحة تماما عن القيادة، ويشير عز الدين إلى أن الامر في الحركة الإسلامية لا يختلف كثيرا فبعد وفاة الترابي تضعضعت الفكرة، وكذلك الاوضاع بالحزب الجمهوري الذي لم يتمكن من تقديم بديل لمحمود محمد طه بذات الكاريزما والقيادة والفكر، كل ذلك بحسب عز الدين يرجع إلى أن هذه الاحزاب ظلت منغلقة على نفسها وغاب التجديد والممارسة الديمقراطية داخلها واستسلمت لفكرة القائد الاوحد التي استمرت لسنوات طويلة فيها، لافتا إلى أن هؤلاء القادة التأريخيين كانوا مسلحين بالمعرفة والوعي والتفكير السليم والوطني وغيرها من المميزات، بينما يفتقر الموجودون حاليا في الساحة السياسية لتلك الصفات والميزات كما أنهم غير منتجين فكريا مثل من سبقوهم ويفتقدون للكاريزما، عز الدين في حديثه يشير إلى من بين الأسباب أيضا هي خوف القادة التأريخيين من سحب البساط من تحت اقدامهم لذلك كانوا يقطعون الطريق أمام ظهور أي قائد خلافهم داخل الاحزاب السياسية، مؤكدا أن هذا المسعى جعل الاحزاب متكلسة وغير منتجة ومنغلقة على رؤية شخص واحد حتى وان كانت سليمة ولكنها كانت تجعل الحزب تحت امرته بما يشابه الدكتاتورية، وقال : إن فكرة انتاج قائد جديد تحتاج إلى شخص يتسلح بالعلم والفكر والادراك والعمل السياسي الحقيقي وان ذلك الامر يتطلب وقتا طويلا حتى يأتي شخص لسد الفراغ الموجود حاليا.
عوض نصر الدين المحامي وعضو حزب التحالف بقيادة كمال اسماعيل، يقول إن تجمع المهنيين السودانيين كان يمكن أن يشكل قائدا حقيقيا للبلاد في الفترة المقبلة سيما بالنظر إلى الالتفاف الكبير حوله ايام الثورة وكان يمكن أن يتحول إلى ما يشبه اتحاد الشغل التونسي كمرجعية وطنية تتكسر عندها الولاءات الضيقة وتعلو فيها روح الوطنية وقيم العمل الجماعي من اجل البلاد ولكن ذلك الامر لم يتحقق بفعل الازمة السودانية المتواصلة والمتمثلة في الصراع السياسي المتوارث داخل التنظيمات السياسية المختلفة والتي سرعان ما تنقض التحالفات طمعا في تحقيق اهدافها الذاتية حتى وان كانت على حساب الوطن الكبير. ويضيف عوض في حديثه لـ” السوداني” أن فكرة القيادة الملهمة من الصعوبة بمكان تحقيقها في السودان بالنظر للواقع المأزوم الذي يعيشه على مختلف الاصعدة كما أن الاجيال الحالية من السياسيين ليس بمقدورهم المضي على ذات خطوات الرموز التأريخية دعك من انتاج قائد بمواصفات وصفات الحكماء الوطنيين السابقين.
وفي السياق يقول الصادق خلف الله إن المميزات التي تمتعت بها القيادت التاريخية بعد الاستقلال ترجع إلى ما وجدوه من تجارب وتعامل مع الاستعمار وادارة الدولة فضلا عما اكتسبوه من خلال دراستهم في خارج البلاد وسعة أفقهم في التعامل مع السياسة الخارجية، على العكس تماما لما هو واقع السياسيين الموجودين حاليا فتجربتهم محدودة وأغلبهم لايمتلك القدرة على قراءة الاوضاع بصورة صحيحة بسبب عدم المعرفة والخبرة السياسية فهم جاءوا عبر المنظمات، لذلك فان الحنكة والحكمة معدومتان حاليا مقارنة بالماضي وحتى في عهد الانقاذ فان الاوضاع كانت سيئة لانعدام الخبرة والتجربة والاعتماد على الانتماء التنظيمي فقط وعدم التدرج في العمل السياسي. الصادق خلف الله يقول في حديثه لـ” السوداني” إن القيادات التأريخية ظلت مسيطرة على مجريات الاوضاع والتعامل مع الخارج وفكرهم هو السائد ولم يكن هناك نقل لتلك الخبرات إلى الشباب أو القيادة الوسيطة لذلك برحيلهم انكشفت الساحة ولم نعثر على من يخلفهم أو من يشكل مرجعية، ويضيف الصادق أن من يتصدرون المشهد حاليا لا يمتلكون وعيا سياسيا كافيا يمكنهم من التعامل مع المجتمع الدولي أو الداخلي، سيما وأن من اصبحوا مسؤولين حاليا لم يصلوا لمواقعهم هذه بفضل خبراتهم العملية أو السياسية أو افقهم الواسع أو فكرهم بل جاءوها لانهم الأعلى صوتا وصراخا كما كان عليه الحال في ايام الانقاذ، والاوضاع الآن أسوأ مما كانت عليه في الانقاذ فمن جاءت بهم الثورة فاقدو للخبرة ولم يسبق لهم العمل في الخدمة العامة وأول وظيفة هي الوزارة. خلف الله يشير إلى أن المشكلة في حقيقتها تعود إلى أن القيادات التأريخية ورؤساء الاحزاب استمروا سنوات طويلة اضافة إلى فترة حكم الانقاذ الطويلة ايضا مما اضاع على التنظيمات السياسية فرص التطور الطبيعي وانتاج كوادر وقيادات حقيقية مسلحة بالمعارف والفكر وكل صفات القيادة التي تمكنها من تنمية وتطوير العمل الحزبي والوطني، لذلك فليس من المستغرب أن نجد الآن الوزراء وكبار المسؤولين لا يمتلكون الخبرة وبعضهم لم يعمل في اي وظيفة حكومية، مشيرا إلى أن الثورية فقط لا تكفي، ولابد من التدرج في العمل السياسي ..

تـابعـنا علـى واتـسـاب


اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى