السودان.. أمن ما بعد الصدمة
إبراهيم شقلاوي
تمثل عودة مركز السودان لدراسات مكافحة الإرهاب إلى العمل في الخرطوم خطوة مهمة تتعلق باستعادة المعرفة الوطنية في تقدير المخاطر وصناعة القرار الأمني، حيث كشف الفريق حنفي عبد الله، المدير العام للمركز، الخميس عن تسارع الجهود لإعداد الاستراتيجية السودانية لمكافحة الإرهاب، فيما طرح اللواء عيسى آدم أبكر وثيقة رؤية للبناء الوطني، التي تناولت التحديات الاستراتيجية والقرارات ذات الأولوية.
ابراهيم شقلاوي يكتب: الخرطوم والقاهرة .. حدود الدم والسيادة
غير أن أهمية هذه التحركات لا تقف عند إعداد الوثائق، بل تمتد إلى بناء قدرة وطنية على التعامل مع التهديدات المتداخلة، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الأنشطة العابرة للحدود. وهو ما يستدعي مقاربة، تربط المعرفة بصناعة القرار، وتنقل مؤسسات الدولة من الاستجابة للمخاطر إلى استباقها، بما يعزز الأمن القومي ويحول الخطط إلى أدوات فاعلة.
لكن من المؤكد أن التحدي ليس في سرعة إعداد الاستراتيجية، بل في قدرتها على النفاذ إلى جذور التهديدات وكشف الثغرات التي تسمح لها بالنمو. فالإرهاب لا يُواجه بالأجهزة الأمنية وحدها، وإنما بتكامل الأمن والعدالة والتعليم والإعلام والسياسات الاجتماعية، ضمن مسؤوليات واضحة. فالدولة التي تنتظر الخطر لتواجهه تظل أسيرة ردود الأفعال، أما الدولة التي تفهم أسبابه وتجفف منابعه، فتمتلك المبادرة في حماية أمنها.
وتُقاس جدوى عودة المركز بما ينجزه على الأرض، أي بقدرته على تحويل الرؤية إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وهنا أرى أن الإعلام ينبغي ألا يبقى على هامش الاستراتيجية، بل أساسها فمواجهة الإرهاب لا تدور في الميدان الأمني وحده، وإنما في الوعي العام أيضًا، حيث تتشكل الثقة أو تتسع بيئة التضليل والتحريض. ومن دون خطاب مسؤول يخاطب المجتمع ويفهم مخاوفه، ستظل المعالجة ناقصة، مهما بلغت كفاءة الأجهزة الأمنية.
لقد كشفت الحرب أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك الأمن، وأن الدولة التي تعجز عن حماية حدودها وتماسك مجتمعها تصبح عرضة لاختراقات التي تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والسياسة والوعي لذلك ، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودان اليوم ليس كيف نستعيد فقدان الأمن والسلام ، بل كيف نمنع إنتاج الظروف التي قادت إلى ذلك .
والحرب بما خلفته من انتشار للسلاح، واضطراب في السيطرة على الحدود، وتراجع في الخدمات، واستقطاب اجتماعي حاد، جعلت مفهوم مكافحة الإرهاب أكثر تعقيداً. فهذه البيئة قد تتيح فرصاً لشبكات التطرف والجريمة المنظمة والتمويل غير المشروع للأعمال ، لكنها لا تعني أن كل مظاهر الفوضى إرهاب، ولا أن كل اختلاف سياسي تهديد أمني.
وهنا تبرز ضرورة ضبط التعريفات القانونية للإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة والعمل السياسي الرشيد، فالخلط بينها لا يهدر الموارد ويقوّض الثقة فحسب، بل قد يفضي إلى انتهاك الحقوق وتوسيع المظالم، بما يغذي أسباب التهديد الأمني بدلًا من احتوائه.
وفي تقديري تبدأ مكافحة الإرهاب من مسؤولية الدولة في تأمين الحدود، و الاستخبارات، وتجفيف التمويل والتجنيد، وإنفاذ القانون وحماية الحقوق. وتتكامل مع هذه المسؤولية أدوار المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمجتمعية، دون أن تحل محلها. فلا يجوز للدولة أن تطلب من المجتمع حماية الأمن قبل أن تستكمل هي بناء مؤسسات قادرة على حمايته.
فالأمن المستدام يتحقق باستعادة الدولة لدورها في تحقيق العدالة وتوفير الخدمات والتعليم وفرص العيش الكريم، فهذه ليست مطالب مؤجلة إلى ما بعد الأمن، بل من أسسه. كما أن التعاون الإقليمي والدولي ضروري لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، شريطة أن يساعد السودان على حماية أمنه، دون المساس بسيادته أو فرض أولويات لا تنبع من مصالحه الوطنية.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن أمن ما بعد الصدمة، يعني بناء دولة لا تكتفي بمواجهة التهديدات داخليًا، بل تمتلك القدرة على التعاون إقليميًا ودوليًا لمواجهة المخاطر العابرة للحدود، دون التفريط في سيادتها. فنجاح الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب مرهون بربط الأمن بالعدالة والتنمية، ومعالجة جذور الاختلال، وتكامل الجهد الوطني مع التعاون الإقليمي والدولي ، فالأمن المستدام لا تصنعه القوة وحدها، بل دولة فاعلة ومجتمع محصّن وشراكات منتجة تحترم المصالح والسيادة الوطنية.
دمتم بخير وعافية
