عبد الله علي إبراهيم يكتب: مثقفون خارج الهيئة: محجوب الجلق

مثقفون خارج الهيئة: محجوب الجلق

عبد الله علي إبراهيم

كنا في بكاء خالنا عثمان الجلق. وتقدمت لعزاء أخيه محجوب فوجدته قد فقد البصر. وقرأنا الفاتحة ثم “كرس” الرجل على غير عادته. أول ما عرفته كان في فراش بكيات الأهل. كان محجوب حلقة لوحده يكيل بمكيال أنصار السنة لأهل الطرق الصوفية. وكانت هناك حلقة الهلال والمريخ التي قد تتحول إلى السياسة الأزهرية الاتحادية. وهي نفس الشلة التي لا تنسى إثارة نزاعنا نحن الشقتاب مع القنديلاب حول أرض بجزيرة أم درق بصور طريفة. وكان المرحوم عبد الله الشيخ البشير أمة وحده ننتظره عصر رفع الفراش ليصدح بتلاوة للقرآن ترخي بأذنها له طيور الجنة.

بحثت عن خالي محجوب في ركن ما. واستثرته بذكريات خوضه بغير رحمة في الطائفية. فأنتعش واستعاد حيويته القديمة. قلت له كلنا يعرف أنك كنت مقدماً في الطريقة القادرية على سكة الكباشي فما الذي جعلك تهجرها مائة وثمانين درجة إلى سكة أنصار السنة. واستعجبت من حكايته لسيرة تحوله الثقافي من الصوفية إلى أهل السنة. فعقيدتي أن أمثال خالي محجوب كائنات ثقافية من الدرجة الأولى. فليست أميتهم أو بساطتهم بحائل دون انشغالهم بالثقافة أو أرقهم بها كما تزعم صفوة المدارس. ألم تسمعهم يقولون: “تصور لو تعلم الحاردلو كان أبدع شعراً أفضل مما أبدع فعلاً”. فتعليم المدارس عندهم شرط مقدم في الإبداع.

قال محجوب إنه كان يعمل بالبناء بمنطقة جبل الأولياء في نحو 1967. وجاء المولد فاجتمع الناس بما في ذلك مصريون وليبيون وفدوا إلى السودان بعد حرب 1967 مع إسرائيل.
وقال إنه لما رأى تراخي الوجد بين الناس تقدم الناس ف”سَفَّن” سفائن الختمية المعروفة على أنه قادري. وحصيلته منها ما تزوده من ليالي شيخنا ود حامد من القلعة بعمودية جلاس. وأعطاني مثلاً من السفينة فأطربني. لم ينقص العمر مقدار ما تشيل النملة من طلاوة صوته. ثم أنشدهم من حاج الماحي قصيداً ذكر فيه جزيرتنا أم درق. وصوته على حاج الماحي عجيب أيضاً. ثم أخذ طبل القادرية فأشجى القوم فذكروا ذكراً عنيفاً. ثم لما جاء الصباح وجد أنه صار نجماً وأزعجه قول الناس إنهم لم يعرفوا قدره من قبل. فامتعض لذلك. وقال لهم هل أصبحت غير أنا لمجرد أنني أطربتكم بأذكار الصوفية. ومجت نفسه هذه النجومية وبواعثها. وبدا له فجاءة عوج كرامات الصوفية وعقائدها. ثم طلب عالماً يستفتيه جلية الأمر فتشاجرا في أمر لم يستبن لي. ثم وجد طريقه لأنصار السنة فحطم طبوله وراياته. وراح يذيع عقيدته الجديدة في بطلان الصوفية.

يعود تعلق خالي محجوب بالقادرية إلى الشيخ العبيد. وهو منا. حكى لي عبد الله الشيخ البشير أنه كان طيانياً جوالاً. مر بالشيخ بالكباشي وافتتن به وأخذ منه الطريقة وصار مقدماً فيها. وجاء إلى أم درق بطبوله ولفت الأنظار. وخشي العُمد والإنجليز منه فأخذوه إلى المركز بدنقلا لأنهم وسوسوا بأنه ربما عرض مهدية ونطح نطحها. وحققوا معه وأطلقوا سراحه. وحكى لي محجوب عن كرامة رويت له عن استقبال فرس جموح للشيخ وهو على المركب للجزيرة في منتصف النهر.
ويعود تحقيق عبد الله الشيخ البشير لاشعار “ودنفيسة” السريانية فوق الكباشي إلى هذه الفترة. فقد سمعها صغيراً وطرب للغتها ووقعها حتى قال إنه كاد أن “يتدروش”. ثم تذكرها حين وفرت له شعبة ابحاث السودان بجامعة الخرطوم فرصة ليتفرغ للكتابة عما يحب في ضروب التراث الشعبي. وقال خالي محجوب إنه أملى على عبدالله ، صفيه وحواره في خلوة شيخنا ود حامد، 35 قصيداً من ود نفيسة.
رحم الله خالنا عثمان.

Exit mobile version