الطاهر ساتي يكتب: تصديرُ الخراب..!!

تصديرُ الخراب..!!

الطاهر ساتي

:: يلتفت العالم اليوم إلى الحدود الشمالية للسودان، وكأنها الثقب الوحيد في ثوب الجسد الممزق..فالحقيقة المرة – التي سبقت غدر آل دقلو – تقول إن حدود بلادنا مهترئة بالكامل ومستباحة من أطرافها، ومن يطالع واقع الحال يدرك أننا نعيش في دولة بلا أسوار..!!

الطاهر ساتي يكتب: وثيقة عبور

:: نعم، حدودنا الممتدة مع جنوب السودان، وإثيوبيا، وإريتريا، وتشاد، لم تكن يوماً خطوطاً لسيادة الدولة، بل كانت – وما زالت- ممرات مفتوحة على مصراعيها للتهريب، وتدفق السلاح، وتجارة البشر، وفوضى المليشيات.. فالحدود ليست مجرد خطوط وهمية خطت على الورق..!!

:: حدود الدول نقطة حرجة، تبدأ عندها سيادة الدول وينتهي عندها عبث العابثين..وفي زمن السيولة الأمنية التي تضرب الإقليم لم يعد الخط الفاصل وحده كافياً لردع الأطماع، بل أصبح “حرم الحدود” هو صمام الأمان الأول لبقاء الدول وهيبتها واستقرارها..!!

:: و بالقانون الدولي، للدول الحق أن تمارس سلطانها براً وبحراً وجواً، ولا يجرؤ أحد على تخطيه إلا بإذن سيادي مكتوب.. و”حرم الحدود” هو المساحة المفرغة بعمق يمتد إلى كيلومترات؛ ليمنح حرس الحدود مدى الرؤية، ومحرم تماماً على السكن، والزراعة، و الأنشطة العشوائية..!!

:: ومن هنا، فإن الحدود السودانية المصرية – 1,276 كيلومتراً – مساحة صحراوية شاسعة، وعرة، وعصية على التأمين التقليدي، و تحولت بعد اندلاع الحرب إلى مسرح مفتوح للتهديدات العابرة للقارات والحدود إثر الفراغ الأمني الخطير الذي خلفته الحرب ..!!

:: هذا الفراغ ملأته شبكات الجريمة المنظمة والمليشيات المسلحة، وفي مقدمتها مليشيا آل دقلو، لتحول الدروب الصحراوية إلى شرايين تهريب تطعن خاصرة الخرطوم والقاهرة معاً، وتضرب استقرار المنطقة.. وأولى هذه الخطايا هي تهريب السلاح و المخدرات..!!

:: ثم محاولات مشبوهة لبناء قواطع لوجستية لعناصر مسلحة؛ وهذا يعد اختراقاً مباشراً للأمن القومي، ولا يمكن التهاون معه تحت أي ذريعة إنسانية أو سياسية.. ثم تجارة البشر التي نشطت عصاباتها مستغلةً فزع الفارين من جحيم الحرب، لتسوقهم عبر ممرات وعرة في رحلات ابتزاز قاسٍ ومذل..!!

:: كل هذا يشكل ضغطاً أمنياً واقتصادياً واجتماعياً على الدولتين السودانية والمصرية في هذا التوقيت الحرج للغاية.. ثم يبقى الخطر الأكثر تعقيداً في التعدين العشوائي للذهب، إذ دفع جنون “الدهّابة” بملايين الباحثين عن الثراء لتجاوز (حرم الحدود) والتوغل بلا هدى..!!

:: وهنا تلتقي الفوضى بانتهاك السيادة، إذ يتداخل إمداد المليشيات بالوقود والسيارات مع شبكات تهريب السلاح والمخدرات، ليصبح التعدين العشوائي غطاءً لوجستياً للجريمة المنظمة..وكل دول العالم – ما عدا بلادنا للأسف – تخوض مواجهات دامية لفرض هيبتها وحماية حدودها..!!

: فليست كل الدول- مثل دولتنا- تعشق الفوضى وتحميها وتغض الطرف عنها، فحدودنا مفتوحة على كل جيراننا بلا ضوابط، وهذا وضع شاذ ترفضه القوانين وغير مسموح به إطلاقاً لدى الدول التي تحترم كينونتها.. وبتنظيم وترتيب شأننا الداخلي، علينا أولاً التوقف عن تصدير الخراب..!!

:: وحماية الأوطان لا تحتمل “الطبطبة” كما هو الحال في بلادنا، بل تتطلب قراراً سيادياً قاطعاً، وهذا ما لم نحتمله، لأننا – للأسف – لا نمارسه لحماية بلدنا ومواردنا المستباحة..إنها الحقيقة التي تستوجب أن نستفيد من هذه الأحداث القاسية، ونتعلم منها، لكي لا نتألم مرة أخرى..!!

:: وعليه، فإن البلدين الشقيقين بحاجة عاجلة إلى إعلان حرم حدودي كمنطقة عسكرية مغلقة، يُحظر فيها تواجد المدنيين تماماً، بالتزامن مع نشر منظومة مراقبة تكنولوجية متكاملة، وتفعيل تنسيق استخباراتي وميداني صارم يحمي الشعبين من مخاطر المرحلة، وما أكثرها..!!

Exit mobile version