بعد قرار فتح استيراد وقود الطائرات..(آن اوان سبت اويل):مقترحان للخروج من الاحتكار وبناء سوق سوداني مستدام
إبراهيم عدلان
يمثل قرار وزارة الطاقة والنفط بفتح باب المنافسة أمام الشركات الوطنية المؤهلة لاستيراد وقود الطائرات Jet A-1 والفيرنس خطوة مهمة تستحق الترحيب، لأنها تفتح الباب أمام توسيع قاعدة المشاركة في سوق المشتقات البترولية، وتستهدف بصورة مباشرة إنهاء حالة الاحتكار وإتاحة الفرصة أمام أكثر من جهة للمشاركة في توفير احتياجات البلاد من الوقود.
لكن بالنسبة لصناعة الطيران السودانية، فإن أهمية القرار تتجاوز مسألة السماح بالاستيراد.
فالوقود بالنسبة للطيران ليس مجرد سلعة تجارية؛ وإنما هو عنصر أساسي من عناصر استمرارية التشغيل وأمن الطيران والقدرة التنافسية لشركات الطيران والمطارات.
ومن هنا، فإن فتح باب الاستيراد يجب أن يكون بداية لإعادة بناء منظومة وقود الطائرات في السودان، وليس مجرد انتقال من محتكر واحد إلى عدد محدود من المستوردين.
وأرى أن أمام صناعة الطيران السودانية فرصة حقيقية للتحرك من خلال مقترحين متوازيين ومتكاملين.
⸻
أولاً: تحالف شركات الطيران السودانية لشراء واستيراد Jet A-1
أقترح أن تبادر شركات الطيران السودانية العاملة، وعلى رأسها سودانير، تاركو، بدر، صن إير وغيرها من الشركات المؤهلة، إلى الدخول في شراكة استراتيجية لتجميع احتياجاتها من وقود الطائرات.
ولا يعني ذلك دمج الشركات أو المساس باستقلالها أو علاماتها التجارية، وإنما إنشاء آلية مشتركة للشراء والاستيراد.
فبدلاً من أن تقوم كل شركة منفردة باستيراد احتياجاتها والتفاوض منفردة مع الموردين، يمكن للشركات أن تجمع احتياجاتها السنوية في طلب واحد كبير.
ماذا تحقق هذه الشراكة؟
تجميع الطلب يمنح شركات الطيران قوة تفاوضية أكبر في:
* سعر الشراء.
* تكاليف النقل.
* التأمين.
* شروط الدفع.
* التخزين.
* الكميات.
* انتظام الإمداد.
كما يمكن للشركات أن تنشئ مخزوناً احتياطياً مشتركاً لمواجهة أزمات الإمداد.
وهذا أمر بالغ الأهمية في بلد مر بظروف الحرب وتعطلت فيه سلاسل الإمداد والنقل.
شراء الاحتياجات وبيع الفائض
ولا ينبغي أن تتوقف الشراكة عند تأمين احتياجات الشركات المشاركة.
فإذا تم استيراد كمية أكبر من الاحتياج الفوري، يمكن بيع الفائض إلى شركات الطيران الأخرى أو الجهات المؤهلة، وفق أسعار معلنة وشفافة.
وبذلك تتحول شركات الطيران من مجرد مستهلك منفرد للوقود إلى قوة شرائية مؤثرة في السوق.
لكن يجب أن يكون واضحاً أن هذا التحالف لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار جديد.
الهدف هو:
كسر الاحتكار وليس إعادة إنتاجه بصورة مختلفة.
ولهذا يجب أن تكون آلية البيع مفتوحة وفق شروط واضحة وعادلة، وألا تستخدم القوة الشرائية المشتركة لإقصاء أي شركة منافسة.
⸻
ثانياً: شركة مطارات السودان ودورها في منظومة وقود الطائرات
أما المقترح الثاني، فهو مختلف عن الأول، لكنه مكمل له.
يمكن أن تضطلع شركة مطارات السودان بدور رئيسي في إدارة البنية التحتية الخاصة بوقود الطائرات في المطارات، خصوصاً في مجال التخزين والتوزيع والخدمات المرتبطة بالمحطات الخارجية.
وأرى أن من حق شركة مطارات السودان أن تدرس فتح Subcontracts باسمها مع شركات متخصصة ومؤهلة لتوفير خدمة وقود الطائرات في المطارات والمحطات التي تديرها.
وهذا لا يعني أن تصبح شركة المطارات مستورداً حصرياً للوقود، ولا أن تحتكر عملية التزويد.
بل أن يكون دورها هو:
توفير البنية التحتية + تنظيم الخدمة + التعاقد مع المشغلين المؤهلين + ضمان استمرارية الإمداد للمطارات.
وبذلك يصبح لدينا فصل واضح بين:
من يشتري الوقود، ومن يخزنه، ومن ينقله، ومن يقوم بتزويد الطائرة.
⸻
إعادة النظر في مواعين التخزين بالخرطوم
وهنا تأتي قضية أرى أنها يجب أن تكون من أولويات شركة مطارات السودان.
مع الاستعداد لإعادة تشغيل مطار الخرطوم، يجب ألا نعيد ببساطة منظومة التخزين القديمة كما كانت.
بل يجب إعادة تقييم شروط ومواصفات مواعين تخزين Jet A-1 في الخرطوم وفق احتياجات مطار دولي يراد له أن يعود مستقبلاً كمركز رئيسي للحركة الجوية السودانية.
ويجب أن تشمل المراجعة:
* السعة التخزينية.
* عدد الخزانات.
* مواصفات الخزانات.
* أنظمة الترشيح.
* أنظمة فصل المياه والرواسب.
* إجراءات فحص الجودة.
* معدات التزويد بالطائرات.
* عربات الوقود.
* أنظمة مكافحة الحريق.
* أنظمة التأريض.
* إجراءات منع تلوث الوقود.
* المخزون التشغيلي.
* المخزون الاستراتيجي.
* وإمكانية التوسع مستقبلاً.
فالهدف يجب ألا يكون مجرد إعادة تشغيل ما كان قائماً، وإنما تصميم منظومة تستطيع خدمة الخرطوم لعشرين عاماً قادمة.
⸻
المطارات الخارجية تحتاج إلى نموذج مختلف
ليست كل المطارات السودانية قادرة اقتصادياً على إنشاء منظومة مستقلة ومتكاملة لوقود الطائرات.
ولهذا يمكن لشركة مطارات السودان أن تنشئ نموذجاً مركزياً للمحطات الخارجية، بحيث تقوم بالتعاقد مع شركات متخصصة لتأمين الوقود والخدمات المرتبطة به.
وبذلك يمكن أن تعمل المنظومة على النحو الآتي:
المورد / المستورد
⬇
مستودعات استراتيجية
⬇
شركة مطارات السودان
⬇
المحطات الخارجية
⬇
شركة التزويد بالطائرات
وهذا النموذج يمكن أن يكون أكثر كفاءة من ترك كل مطار أو محطة للتعامل بصورة منفردة مع مشكلة الوقود.
⸻
سودانير: الحالة الخاصة التي يجب ألا نتجاهلها
هناك جانب آخر يجب أن نتعامل معه بقدر كبير من الموضوعية.
فإذا كانت سودانير قد استفادت تاريخياً من ترتيبات تمكنها من شراء الوقود بالعملة المحلية، بينما كانت شركات طيران أخرى، بما فيها شركات سودانية، تضطر إلى شراء الوقود بالعملة الحرة، فإن تحرير السوق قد يؤدي إلى تغيير مهم في هيكل تكاليف الناقل الوطني.
وقد تكون سودانير، paradoxically، من أكثر الشركات تأثراً بالقرار إذا فقدت هذه الميزة.
لكن معالجة هذه المسألة يجب ألا تكون بالعودة إلى الاحتكار.
الناقل الوطني يحتاج إلى دعم، ولكن الدعم يجب أن يكون شفافاً ومباشراً.
يمكن للدولة، إذا رأت أن وجود ناقل وطني قوي مصلحة استراتيجية، أن تقدم له ترتيبات تمويلية أو ضمانات أو تسهيلات واضحة، بدلاً من دعم غير مباشر يؤدي إلى تشوه السوق.
وبذلك نحمي سودانير دون أن نضر ببقية شركات الطيران السودانية.
⸻
لا نريد احتكاراً جديداً
من المهم جداً التأكيد على أن الهدف من قرار وزارة الطاقة ليس استبدال احتكار باحتكار آخر.
إذا أصبح عدد قليل من الشركات يستورد Jet A-1، ثم أصبحت هذه الشركات هي نفسها المتحكمة في التخزين والتوزيع والتزويد بالطائرات، فقد نجد أنفسنا أمام احتكار جديد وإن تغير الاسم.
ولهذا فإن المطلوب هو سوق تنافسي متعدد الأطراف.
شركات متعددة للاستيراد.
شركات مؤهلة للتخزين والتوزيع.
شركات تزويد بالطائرات.
وشركات طيران قادرة على شراء احتياجاتها بصورة مباشرة أو جماعية.
⸻
ومن هنا أقترح منظومة من مستويين
المستوى الأول: شركات الطيران
تتعاون في:
الشراء والاستيراد وتجميع الطلب وتكوين مخزون مشترك وبيع الفائض.
المستوى الثاني: شركة مطارات السودان
تتولى:
توفير وإدارة البنية التحتية للتخزين والخدمات بالمطارات والتعاقد مع المشغلين المتخصصين للمحطات الخارجية.
أما الرقابة الفنية على سلامة وجودة وقود الطائرات فتظل ضمن اختصاص الجهات الرقابية المختصة بالطيران وفق القوانين واللوائح والمعايير الدولية.
⸻
فرصة لإعادة بناء صناعة الطيران
إن قرار وزارة الطاقة والنفط يمكن أن يكون أكثر من مجرد قرار تجاري.
يمكن أن يكون فرصة لإعادة بناء إحدى أهم حلقات سلسلة صناعة الطيران السودانية.
فالوقود يؤثر في:
تكلفة التذكرة
تكلفة التشغيل
عدد الرحلات
قدرة الشركات على المنافسة
جاذبية المطارات
عودة شركات الطيران الأجنبية
وإمكانية تحويل السودان إلى مركز عبور إقليمي.
ومن الخطأ النظر إلى Jet A-1 باعتباره مجرد منتج بترولي.
إنه مكوّن استراتيجي من البنية التحتية للطيران.
⸻
كلمة أخيرة
أرحب بقرار وزارة الطاقة والنفط بفتح باب المنافسة في استيراد وقود الطائرات، وأراه خطوة في الاتجاه الصحيح.
لكنني أعتقد أن المسؤولية الآن تقع أيضاً على عاتق صناعة الطيران السودانية نفسها.
وأقترح أن تبدأ شركات الطيران فوراً في دراسة إنشاء آلية مشتركة لشراء واستيراد Jet A-1، بالتوازي مع قيام شركة مطارات السودان بإعادة تنظيم وتطوير منظومة التخزين والتوزيع في المطارات، وفتح المجال أمام الشركات المتخصصة من خلال عقود Subcontract شفافة وتنافسية.
فالطريق للخروج من الاحتكار ليس احتكاراً جديداً.
والحل ليس أن تعتمد شركات الطيران على مورد واحد.
بل أن نبني سوقاً حقيقية تقوم على:
المنافسة في الاستيراد، والتعاون في الشراء، والاستثمار في التخزين، والتنافس في تقديم الخدمة.
أما سودانير، فيجب أن تحصل على المعاملة التي يستحقها الناقل الوطني، ولكن في إطار دعم شفاف لا يخل بمبدأ المنافسة.
إذا استطعنا أن نفعل ذلك، فإن قرار فتح استيراد Jet A-1 لن يكون مجرد قرار اقتصادي عابر، وإنما يمكن أن يصبح بداية لإعادة بناء منظومة وقود الطيران السودانية على أسس حديثة، وأكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
