جامعة الخرطوم وبرنامج الأمل.. أين كانت المعرفة حين احتاجها الوطن؟
عثمان عكرة
ناس جامعة الخرطوم قالوا إنهم شاركوا في صناعة برنامج الأمل وإعادة التأسيس. ودي مناسبة تفتح باباً أوسع للنقاش حول دور الجامعة في صناعة الدولة السودانية، وليس فقط المشاركة في إعداد برنامج سياسي أو اقتصادي جديد.
عثمان عكرة يكتب: القبيلة والدولة في السودان.. الاعتراف بالواقع أم إعادة إنتاج الأزمة؟
حين جئنا إلى جامعة الخرطوم طلاباً، كان غالبية أعضاء الحكومة، أو عدد كبير منهم، من خريجيها. وكانت الجامعة حاضرة بقوة في تكوين النخب التي أدارت الدولة، بمختلف تخصصاتها ومؤسساتها. لكن مع اقتراب نهاية عهد الإنقاذ، أصبح المشهد أكثر تنوعاً، وبرز خريجو الجامعات الأخرى في مواقع المسؤولية أيضاً.
السؤال هنا ليس عن الجامعة التي تخرّج فيها الوزير، وإنما عن علاقة التعليم الجامعي بالأداء الفعلي للدولة. ماذا قدمت المعرفة التي تلقاها هؤلاء في الجامعات لحل مشكلات السودان؟ وأين أخفقت النخب المتعلمة في تحويل ما تعلمته إلى سياسات عامة تحقق الاستقرار والتنمية؟
لم تكن الأزمة السودانية اقتصادية فقط، حتى تكون معالجتها محصورة في النظريات الاقتصادية المباشرة. كان الاقتصاد يتداخل مع السياسة، والعلاقات الدولية، والصراعات الداخلية، وطبيعة الدولة نفسها، وكيفية توزيع السلطة والثروة، وعلاقة المركز بالأقاليم، وتأثير المصالح الاجتماعية والسياسية في صناعة القرار.
وهنا كان يفترض أن تكون الجامعة فضاءً لإنتاج معرفة تتجاوز حدود التخصص الواحد، وتجمع الاقتصاد بالسياسة، والتاريخ بعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية بفهم المصالح الإقليمية والدولية، حتى نتمكن من تفسير أسباب تعثر الدولة، لا الاكتفاء بوصف مظاهر أزمتها.
لا أقول إن جامعة الخرطوم لم تنتج معرفة، ولا إن أساتذتها وباحثيها لم يقدموا إسهامات مهمة. فقد ظلت كلياتها تنتج البحوث والدراسات، لكن السؤال الذي يستحق الإجابة هو: إلى أي مدى وجدت هذه المعرفة طريقها إلى مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار؟ ولماذا ظلت المسافة واسعة بين البحث الأكاديمي والسياسات التي تُنفّذ على الأرض؟
لقد احتاج السودان، ولا يزال، إلى عقل وطني قادر على فهم بيئته الخاصة، لا مجرد استيراد النماذج الجاهزة أو إسقاط النظريات على واقع مختلف في تكوينه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فالسياسة التي تنجح في بلد قد تفشل في بلد آخر، إذا لم تُراعَ طبيعة المجتمع، وتاريخه، ومصادر قوته، ومواطن هشاشته.
ومن هنا، فإن المشاركة في إعداد برنامج الأمل وإعادة التأسيس لا ينبغي أن تتحول إلى شهادة تمنحها الجامعة لنفسها، ولا إلى مناسبة للاحتفاء بالأسماء والصفات الأكاديمية. الأهم أن نعرف ما الذي أضافته هذه المشاركة إلى البرنامج، وما الدراسات التي استندت إليها، وكيف جرى تشخيص الأزمة، وما البدائل التي طُرحت، وكيف ستُترجم الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس والمراجعة.
والأمانة العلمية تتطلب احترام المعرفة، لكنها تتطلب أيضاً إخضاعها للنقد، ومساءلة نتائجها، والتمييز بين الشهادة الأكاديمية والقدرة على إنتاج حلول لمشكلات الواقع.
جامعة الخرطوم ليست مسؤولة وحدها عن إخفاق الدولة السودانية، ولا يجوز تحميلها أوزار الحكومات التي تعاقبت على البلاد. لكنها، باعتبارها واحدة من أبرز مؤسسات التعليم والبحث في السودان، معنية بمراجعة دورها في تكوين النخب، وإنتاج السياسات، وتقديم البدائل الوطنية.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: من شارك من جامعة الخرطوم في صناعة برنامج الأمل؟ بل: ما الذي تعلمناه من إخفاقات الدولة، وما الذي تغير في طريقة تفكيرنا حتى لا نعيد إنتاج الأزمة نفسها بأسماء جديدة وشعارات مختلفة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي مشروع لإعادة التأسيس.
