أبشر حسين يكتب: السينما في ذاكرة أم درمان: نافذة على العالم وذكريات جيل

السينما في ذاكرة أم درمان: نافذة على العالم وذكريات جيل

أبشر حسين

لم تكن السينما في حياتنا مجرد وسيلة للترفيه وتمضية الوقت، بل كانت نافذة نطل منها على عوالم بعيدة، ونتعرف عبرها على ثقافات وشعوب وتجارب إنسانية مختلفة. ففي ذلك الزمن، قبل أن تتعدد وسائل المشاهدة وتصبح الأفلام متاحة في كل بيت، كانت السينما تحتل مكانة خاصة في حياة الناس، ولا سيما في المدن السودانية الكبرى، وفي مقدمتها أم درمان.

كانت أم درمان مدينة نابضة بالحياة الاجتماعية والثقافية، وكانت دور السينما جزءًا من ملامحها المميزة. وأذكر أن بها خمس دور عرض معروفة، هي سينما العرضة، وسينما بانت، وسينما الثورة، وسينما أم درمان، وسينما الوطنية. وكانت لكل واحدة منها جمهورها وذكرياتها، كما ارتبطت كل منها بأحياء المدينة وناسها وحكاياتهم.

كان العرض السينمائي يُنظَّم في فترتين؛ تبدأ الأولى في حدود وقت المغرب، وتستمر نحو ساعتين أو ساعتين ونصف، ثم يبدأ العرض الثاني بعد انتهائها. ولم تكن السينما مجرد مكان نجلس فيه لمشاهدة فيلم، بل كانت مناسبة اجتماعية ينتظرها الناس، ويلتقون فيها بالأصدقاء والمعارف، ويتبادلون الأحاديث عن الأفلام والممثلين والأغاني.

سينما بانت وذكريات البدايات:
بدأت علاقتي بسينما بانت في أوائل السبعينيات، بحكم قربها من منزلنا. وكانت مشهورة بعرض الأفلام الهندية التي استحوذت على إعجاب جمهور واسع من السودانيين. فقد جمعت تلك الأفلام بين القصص العاطفية والأغاني الجميلة والمواقف الإنسانية، وكانت تنتقل بالمشاهد من الفرح إلى الحزن، ومن الحب والفراق إلى التضحية والوفاء.

ومن الأسماء التي ارتبطت في ذاكرتي بتلك المرحلة نجوم السينما الهندية: راج كابور، وشامي كابور، ودليب كومار. كان لكل واحد منهم حضوره الخاص، وكانت أفلامهم وأدوارهم وأغانيهم موضوعًا للأحاديث بين المشاهدين. وقد بقيت بعض تلك الأسماء والألحان في الذاكرة، حتى بعد مرور عقود طويلة.
ومن الأفلام التي أتذكرها «تسري منزل» و«جانوار»، إلى جانب الفيلم الذي عرفناه باسم «من أجل أبنائي». وقد احتلت هذه الأعمال مكانة خاصة في ذاكرة جيلنا، لا بسبب قصصها وحدها، بل أيضًا بسبب الأغاني والمشاهد التي ارتبطت بها.

ولم تكن متعة الذهاب إلى سينما بانت تبدأ عند ظهور المشهد الأول على الشاشة؛ فقد كانت الرحلة إلى السينما نفسها جزءًا من الحكاية.
قبل الدخول، كنا نمر أحيانًا على الأكشاك الواقعة بين السينما وشارع الأربعين، حيث الحليب الساخن و«الكيك الدبل». وكانت لهذه التفاصيل البسيطة لذتها الخاصة، خصوصًا ونحن نستعد للوقوف في طوابير الدخول الطويلة. وقد تبدو هذه الأشياء اليوم عادية، لكنها كانت جزءًا من طقوس تلك الأيام، ومن التفاصيل التي تمنح الذاكرة مذاقها الخاص.

وكان يعجبني أن أدخل السينما مبكرًا، لا لأحجز مقعدي فحسب، بل لأتابع المواد التي تسبق عرض الفيلم؛ إعلانات أفلام الأسبوع المقبل، ولقطات قصيرة من مباريات كرة القدم، ومشاهد تتعلق بالمسؤولين الحكوميين. كنا نتابع هذه الفقرات باهتمام، وكانت تمنحنا شيئًا من المتعة والتشويق قبل بدء الفيلم.

ومع وصولنا إلى المرحلة الثانوية، بدأنا نرتاد العرض الثاني، الذي كانت له أجواؤه الخاصة. فقد كان يجمع عددًا كبيرًا من أبناء المنطقة، إلى جانب أشخاص يأتون من الفتيحاب وغيرها من المناطق المجاورة. وكانت له طقوسه وحكاياته، فلم يكن الذهاب إلى السينما ينتهي بانتهاء الفيلم؛ إذ كانت الأحاديث تستمر بعد الخروج، ونحن نستعيد المشاهد ونناقش الممثلين والنهايات.

«من أجل أبنائي»… أغنية بقيت في الذاكرة:
من الذكريات التي ظلت عالقة في ذهني فيلم «من أجل أبنائي» (Mother India)، الذي ارتبط في ذاكرتي بأغنية مؤثرة تختلط فيها العاطفة بالحزن.
كانت الأغنية تستحضر ما تبذله الأم من جهد وتضحيات في سبيل أبنائها، وما تتحمله من مشقة الحياة وقسوتها من أجلهم. وقد بقي أثرها في نفسي، حتى إن استعادتها اليوم تعيدني إلى أجواء سينما بانت، وإلى السنوات الأولى من السبعينيات، حين كانت الأفلام الهندية جزءًا من حياتنا اليومية وموضوعًا لأحاديثنا واهتماماتنا.

ولم يكن تأثير الأغنية مرتبطًا بجمال اللحن وحده، بل بما تحمله من معانٍ إنسانية عميقة. فالأم التي تكافح من أجل أطفالها صورة يفهمها الناس على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، ولا تحتاج مشاعرها إلى ترجمة حتى تصل إلى القلب.

ومن الطريف أن بعض الأفلام قد يبقى في الذاكرة من خلال أغنية واحدة، أو مشهد قصير، أو وجه ممثل، بينما تتلاشى تفاصيل كثيرة من أحداثه. وهكذا تتداخل ذاكرة الفيلم مع ذاكرة المكان والزمان، وتصبح الأغنية مفتاحًا لاستعادة مرحلة كاملة من حياتنا.
ولم يكن الفيلم عندنا مجرد عمل سينمائي يحمل عنوانًا أجنبيًا؛ فقد استقر له اسم عربي متداول بين المشاهدين السودانيين، هو «من أجل أبنائي». وهذا الاسم نفسه جزء من تاريخ تلقي السينما الهندية في السودان، ويستحق أن يُحفظ كما عرفه الناس وتداولوه.
سينما أم درمان والوطنية… عوالم تتجاوز الحدود:
لم تقتصر اهتماماتنا على الأفلام الهندية؛ فقد كانت سينما أم درمان وسينما الوطنية تعرضان أفلامًا عربية، وأفلام الجاسوسية، وأفلام رعاة البقر، إلى جانب أفلام أجنبية متنوعة.
وكان هذا التنوع يفتح أمامنا أبوابًا إلى عوالم مختلفة، ويقدم لنا أنماطًا من الحياة والثقافة والعلاقات الإنسانية لم نكن نعرف عنها الكثير. وكنا في الغالب نحرص على حضور العرض الأول، لكن أيام الخميس والعطلات كانت تمنحنا فرصة الذهاب إلى العرض الثاني.
وقد أسهم هذا التنوع في توسيع ذائقتنا السينمائية؛ فكنا ننتقل من الفيلم الهندي العاطفي إلى الفيلم العربي، ومن قصص الجاسوسية إلى أفلام الغرب الأمريكي، ثم إلى الأعمال العالمية التي تتناول قضايا الإنسان والمجتمع.
لم نكن ندرك بالضرورة، ونحن نشاهد تلك الأفلام في سن مبكرة، مقدار ما يمكن أن نتعلمه منها. لكننا كنا نكتسب معارف وانطباعات عن مجتمعات أخرى، وعن التاريخ والسياسة والحرب والحب والفقر والثراء، وعن اختلاف الناس في طرائق عيشهم وتفكيرهم.
من أم درمان إلى سينمات الخرطوم:
مع انتقالنا إلى المرحلة الجامعية، اتسعت دائرة اهتمامنا بالسينما. وخلال الإجازات، كنا نذهب في مجموعات من الأصدقاء إلى سينما النيل الأزرق أو سينما الخرطوم غرب. وكانت تلك الرحلات تمنحنا فرصة لمشاهدة أفلام مختلفة، والاستمتاع بصحبة الأصدقاء بعيدًا عن أجواء الدراسة والمحاضرات.

وأذكر من الأفلام التي ارتبطت بتلك المرحلة «طار فوق عش المجانين»، و«مهوقني»، و«معركة الجسر»، و«حمى ليلة السبت»، و«البيضة والحجر»، و«صائد الغزلان».

كانت هذه الأفلام، على اختلاف موضوعاتها وأساليبها، تقدم تجارب إنسانية وفنية متنوعة. فبعضها يقترب من أعماق النفس البشرية، وبعضها يتناول الحرب وآثارها، وبعضها يعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها العالم. ولم تكن متعة مشاهدتها مقتصرة على متابعة الأحداث، بل امتدت إلى ما تثيره من أسئلة وانطباعات، وما تتركه من مادة للنقاش بين الأصدقاء.
وأعتقد أن السينما أدت في تلك المرحلة دورًا تثقيفيًا مهمًا؛ فقد كانت مصدرًا للمعرفة في زمن لم تكن فيه وسائل الوصول إلى المعلومات متاحة كما هي اليوم. وكان الفيلم الجيد قادرًا على أن يعرّف المشاهد ببلد لم يزره، أو بتاريخ لم يقرأ عنه، أو بقضية إنسانية لم تخطر له من قبل.

السينما وذاكرة جيل:
حين أستعيد اليوم تلك السنوات، أجد أن ذكرياتي عن السينما لا تتعلق بالأفلام وحدها. إنها تمتد إلى شوارع أم درمان، وإلى الأكشاك التي كنا نشتري منها الحليب الساخن والكيك، وإلى الأصدقاء الذين رافقونا، وإلى النقاشات التي كانت تبدأ عند الخروج من قاعة العرض ولا تنتهي إلا بعد أن نستعيد تفاصيل الفيلم.
كانت السينما جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة، وأسهمت، إلى جانب المدرسة والجامعة والكتاب والإذاعة، في توسيع مدارك جيلنا وتعريفه بعوالم وتجارب تتجاوز حدود البيئة المحلية.
ولم تكن جميع الأفلام عظيمة أو عميقة؛ فبعضها كان للمتعة العابرة، وبعضها لم يبقَ منه في الذاكرة سوى أغنية أو مشهد أو وجه ممثل. لكن هذا من طبيعة الذاكرة الإنسانية؛ فنحن لا نحتفظ بكل ما نراه، وإنما تبقى معنا تفاصيل بعينها ترتبط بمرحلة عمرية، أو بصديق، أو بمكان، أو بشعور يصعب تفسيره.

ولعل أجمل ما في استعادة تلك الذكريات أن فيلمًا شاهدناه قبل عقود قد يعيد إلينا، بمجرد سماع أغنيته، عالمًا كاملًا كنا نظن أنه ابتعد إلى غير رجعة. تعود الوجوه، وتنبعث أصوات الأصدقاء، وتظهر أمامنا شوارع أم درمان، ونكاد نشعر من جديد بفرحة الوقوف في طابور السينما انتظارًا لفتح الأبواب.

لقد تغير العالم، وتبدلت وسائل الترفيه والمعرفة، وأصبحت مشاهدة الأفلام متاحة في أي وقت ومن أي مكان تقريبًا. ومع ذلك، تبقى لتجربة الذهاب إلى السينما في تلك الأيام خصوصيتها التي لا تعوضها الشاشة الصغيرة؛ لأنها كانت تجربة جماعية تجمع بين الفيلم والمكان والصحبة وطقوس الانتظار.
وهكذا لم تكن السينما مجرد شاشة نتابع عليها حكايات الآخرين، بل كانت جزءًا من حكايتنا نحن؛ حكاية جيل تعرّف إلى العالم من خلال الأفلام، واحتفظ في ذاكرته بأغانٍ ومشاهد وأسماء ووجوه، وظلت تلك الذكريات، بعد مرور السنوات، نافذة يطل منها على أيام الصبا والشباب.

Exit mobile version