القبيلة والدولة في السودان.. الاعتراف بالواقع أم إعادة إنتاج الأزمة؟
كتب : عثمان عكرة
طرح الدكتور عبدالرحمن أبو خريس مقولة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تقدم إجابات نهائية عن الأزمة السودانية، وإنما لأنها تضع يدها على واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ الدولة والمجتمع في السودان.
يقول الدكتور إن القبيلة تمثل الأساس المجتمعي، بل والسياسي، وإن هناك أحزاباً قائمة على القبيلة، كما أن مؤسسات وحركات الصراع المسلح في السودان تتكون وتتغذى من الروابط القبلية. ويخلص إلى أن الصراع الدائر في البلاد لا يمكن حله إلا بالاستعانة بالإدارة الأهلية، داعياً الدولة إلى الاعتراف بالقبيلة باعتبارها واقعاً قائماً، والعمل مستقبلاً على تجاوزها واستبدالها.
هذه المقولة تفتح باباً للنقاش يتجاوز القبيلة في حد ذاتها إلى طبيعة الدولة السودانية، وأسباب تعثر بنائها، وحدود العلاقة بين البنية الاجتماعية التقليدية ومؤسسات الحكم الحديث.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نبدأ به ليس: هل القبيلة موجودة في السودان؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات. وإنما: كيف تحولت رابطة اجتماعية إلى عامل مؤثر في السياسة، وفي بعض حالات الصراع المسلح، وما مسؤولية الدولة والنخب السياسية عن ذلك؟
من المجتمع إلى السياسة.. كيف اتسعت وظيفة القبيلة؟
القبيلة، في أصلها الاجتماعي، ليست مشكلة ينبغي التعامل معها باعتبارها بقايا من الماضي. فهي إطار للتعارف والتكافل والتضامن، ومرجعية اجتماعية تؤدي أدواراً متفاوتة بين منطقة وأخرى. وفي المجتمعات التي تعجز فيها المؤسسات الرسمية عن توفير الحماية والخدمات وتسوية النزاعات، قد تتسع وظائف هذه الرابطة لتشمل ما يتجاوز العلاقات الاجتماعية.
لكن المسألة تتغير عندما تنتقل القبيلة من كونها رابطة اجتماعية إلى أن تصبح مدخلاً للتمثيل السياسي، أو وسيلة لتوزيع المناصب والموارد، أو أداة لحشد الأنصار في مواجهة جماعات أخرى.
هنا لا تعود القضية متعلقة بالقبيلة وحدها، بل بطبيعة النظام السياسي الذي يسمح بتحويل الانتماءات الاجتماعية إلى أدوات للمنافسة على السلطة.
ولذلك، فإن القول بوجود أحزاب تستند إلى القبيلة يقتضي سؤالاً إضافياً: هل نشأت هذه الظاهرة لأن المجتمع لا يزال يحتفظ ببنيته التقليدية، أم لأن الأحزاب نفسها أخفقت في بناء قواعد وطنية تتجاوز تلك البنية؟ أم أن العاملين تداخلا حتى أصبح من الصعب الفصل بينهما؟
إن تحميل القبيلة وحدها مسؤولية هذا الواقع قد يحجب عنا دور الأحزاب والنخب السياسية، كما أن تجاهل تأثير الانتماءات القبلية لا يساعد على فهم الخريطة السياسية والاجتماعية في السودان.
فالقبيلة لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية منظمة. ثمة من يوظفها، وثمة ظروف تجعل توظيفها ممكناً، وثمة مؤسسات قد تحد من هذا الدور أو توسع نطاقه.
الحرب السودانية.. هل القبيلة سبب الصراع أم إحدى ساحاته؟
في سياق الحرب الراهنة، تكتسب مقولة الدكتور عبدالرحمن أبو خريس أهمية إضافية؛ لأن الصراع لم يعد محصوراً في المواجهة العسكرية بين الأطراف المتحاربة، بل امتدت آثاره إلى المجتمعات المحلية، وأثرت في علاقات السكان، وعمقت مخاوف جماعات اجتماعية من بعضها بعضاً.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال الحرب السودانية في الصراع القبلي.
فالحروب لا تنشأ من عامل واحد بالضرورة. هناك صراع على السلطة، وأزمة في بناء المؤسسات العسكرية والمدنية، وتنافس على الموارد، وتدخلات خارجية، وتراكمات من التهميش والنزاعات المحلية، إلى جانب عوامل أخرى تختلف أهميتها من منطقة إلى أخرى.
وقد تتداخل هذه العوامل مع الانتماءات القبلية، فتتحول الروابط الاجتماعية إلى قنوات للتعبئة أو الحماية أو الاصطفاف، لكن هذا لا يعني أن القبيلة هي التي أنشأت جميع أسباب الحرب، ولا أن أفراد القبيلة الواحدة يتبنون موقفاً سياسياً أو عسكرياً واحداً.
وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت بعض الأطراف المسلحة تستند إلى روابط اجتماعية وقبلية، فهل يكفي التعامل مع القيادات الأهلية للوصول إلى تسوية تنهي الحرب؟
الإجابة تتوقف على طبيعة التسوية نفسها.
فالإدارة الأهلية قد تساعد في وقف النزاعات المحلية، وفتح قنوات الاتصال، وحماية المدنيين، وتيسير عودة النازحين، واحتواء الاحتكاكات بين المجتمعات. لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الخلافات المتعلقة بسلطة الدولة، أو مستقبل المؤسسات العسكرية، أو الترتيبات الدستورية، أو توزيع الثروة والسلطة على المستوى الوطني.
إن إنهاء الحرب يحتاج إلى مسار سياسي يعالج أسبابها، ومسار أمني وعسكري يعالج وجود القوات المسلحة والتشكيلات المقاتلة، ومسار اجتماعي يعيد بناء الثقة بين المجتمعات.
ويمكن للإدارة الأهلية أن تسهم في المسار الثالث، وأن تدعم المسارين الآخرين، لكنها ليست بديلاً عن التسوية السياسية أو مؤسسات الدولة.
الإدارة الأهلية.. شريك في الحل أم بديل عن الدولة؟
تاريخياً، اضطلعت الإدارة الأهلية بأدوار في تنظيم المجتمعات المحلية، وتسوية النزاعات، والوساطة، وإدارة بعض العلاقات بين الجماعات. وقد تختلف هذه الأدوار وصلاحياتها باختلاف المناطق والتحولات السياسية التي شهدها السودان.
لكن الاعتراف بهذه الأدوار لا ينبغي أن يقود إلى افتراض أن الإدارة الأهلية جسم موحد، أو أن جميع قياداتها تتمتع بالقدر نفسه من القبول والاستقلالية.
فالقيادات الأهلية ليست بالضرورة متفقة في مواقفها، وقد تتأثر بعضها بالتنافس المحلي أو الاستقطاب السياسي، كما أن شرعيتها الاجتماعية لا تعني تلقائياً أنها مفوضة بالتحدث باسم جميع أفراد مجتمعها.
ومن هنا، فإن الاستعانة بالإدارة الأهلية تحتاج إلى تحديد واضح للمهمة: هل المطلوب وساطة لوقف نزاع محلي؟ أم ضمانات لعودة النازحين؟ أم ترتيبات للتعايش بين المجتمعات؟ أم مشاركة في حوار وطني شامل؟
لكل مهمة متطلباتها وحدودها.
وإذا كان المطلوب إشراك الإدارة الأهلية في إنهاء الحرب، فإن ذلك يستلزم توسيع دائرة المشاركة لتشمل ممثلين حقيقيين عن المجتمعات المتأثرة، والنساء والشباب والنازحين، إلى جانب القيادات التقليدية، مع ضمان عدم احتكار أي جهة تمثيل جماعة اجتماعية بأكملها.
كما ينبغي ألا تتحول الوساطة الأهلية إلى مسار موازٍ يقرر مستقبل الدولة بعيداً عن المواطنين ومؤسساتهم الدستورية.
فالدولة التي تستعين بالإدارة الأهلية لتعزيز السلام تختلف عن الدولة التي تعجز عن أداء وظائفها، فتترك للإدارة الأهلية مسؤولياتها الأساسية.
والفارق بين الحالتين هو الفارق بين توظيف الخبرة الاجتماعية في خدمة الدولة، والاعتماد على البنى التقليدية لتعويض غيابها.
الاعتراف بالقبيلة.. خطوة نحو تجاوزها أم تكريس لمكانتها السياسية؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة في مقولة الدكتور أبو خريس.
فهو يدعو إلى الاعتراف بالقبيلة باعتبارها واقعاً، مع الترتيب مستقبلاً لتجاوزها واستبدالها.
من حيث المبدأ، ثمة فرق واضح بين الاعتراف بوجود ظاهرة اجتماعية وبين تحويلها إلى أساس دستوري أو سياسي دائم.
يمكن للدولة أن تعترف بالتنوع القبلي والثقافي، وتحمي حقوق الجماعات في ممارسة حياتها الاجتماعية والثقافية، وتستفيد من شبكات التضامن المحلية، من دون أن تجعل الانتماء القبلي معياراً للحقوق أو المناصب أو التمثيل السياسي.
لكن كيف يمكن تجاوز القبيلة سياسياً إذا ظلت مؤسسات الدولة عاجزة عن توفير ما يحتاج إليه المواطن من أمن وعدالة وخدمات وفرص متكافئة؟
المواطن الذي لا يجد حماية قانونية فاعلة قد يلجأ إلى جماعته طلباً للأمان. ومن لا يستطيع الوصول إلى حقوقه عبر المؤسسات الرسمية قد يبحث عن وسيط اجتماعي يساعده في الوصول إليها. وحين تصبح الوظيفة العامة أو الموارد الاقتصادية مرتبطة بالنفوذ الاجتماعي، تزداد أهمية الروابط التي تمنح صاحبها القدرة على المنافسة.
وبذلك، فإن تجاوز الدور السياسي للقبيلة لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى تجاوزها، ولا بإنكار وجودها، بل ببناء مؤسسات تجعل المواطن أقل حاجة إلى الوساطة القبلية في الحصول على حقوقه.
المطلوب ليس تفكيك المجتمع أو محاربة روابطه الاجتماعية، وإنما نقل العلاقة بين المواطن والدولة إلى مستوى تصبح فيه الحقوق والواجبات مستندة إلى المواطنة والقانون، لا إلى قوة الانتماء أو مكانة الجماعة.
هل يمكن تجاوز القبيلة من دون إصلاح السياسة؟
إذا كانت الأحزاب السياسية نفسها تستند، في بعض الحالات، إلى الولاءات القبلية، فإن معالجة الظاهرة تبدأ أيضاً من داخل النظام الحزبي.
فالحزب الوطني لا يُقاس فقط باسمه أو شعاراته، وإنما بقدرته على بناء برنامج عام يستوعب المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، ويقدم حلولاً لمشكلاتهم، ويتيح المنافسة داخله على أساس الكفاءة والبرامج.
وإذا كانت الأحزاب عاجزة عن تنظيم المجتمع سياسياً على أساس المصالح والبرامج، فإن مطالبة المواطنين بالتخلي عن روابطهم التقليدية لن تكون كافية.
بل إن غياب البرامج الوطنية الفاعلة قد يدفع المواطنين إلى الاعتماد على الروابط التي يرون أنها توفر لهم الحماية أو التمثيل.
وهنا يصبح إصلاح الحياة الحزبية جزءاً من مشروع تجاوز التوظيف السياسي للقبيلة، من خلال تطوير الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الشفافية، وتقديم برامج تتعلق بالتنمية والخدمات والعدالة وتوزيع الموارد.
ولا يمكن فصل ذلك عن إصلاح الإدارة العامة، وبناء نظام عدالة مستقل وفعال، وضمان تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والخدمات، ومعالجة المظالم التاريخية عبر مؤسسات وطنية لا تقوم على الانتقام أو التمييز.
السودان الذي نريده.. كيف ندير التنوع ونبني المواطنة؟
إن السودان ليس مجتمعاً متجانساً يمكن بناء دولته بتجاهل تعدد مكوناته. وهو، في الوقت نفسه، ليس مجموعة قبائل منفصلة لا يجمع بينها سوى المصالح المؤقتة.
بين هذين التصورين تقع مسؤولية بناء الدولة.
فالقبيلة جزء من الواقع الاجتماعي، لكنها ليست وحدها تعريف المجتمع السوداني. هناك روابط الجوار والمهنة والتعليم والمصالح الاقتصادية، والانتماءات الثقافية والمناطقية، والمشاركة في الحياة العامة، فضلاً عن الشعور بالانتماء الوطني.
ومهمة الدولة ليست فرض هوية اجتماعية واحدة على الجميع، بل إنشاء إطار دستوري وقانوني يستطيع استيعاب هذا التنوع، ويضمن ألا تتحول الاختلافات إلى مبرر للتمييز أو العنف.
وفي هذا السياق، يمكن أن يكون للإدارة الأهلية دور في المرحلة الانتقالية، خصوصاً في المصالحات المحلية، وتسوية النزاعات، ودعم عودة النازحين، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات. لكن هذا الدور ينبغي أن يكون محدداً، وخاضعاً للقانون، ومكملاً للمؤسسات الرسمية، لا بديلاً عنها.
كما ينبغي أن يكون أي مشروع لتطوير الإدارة الأهلية منفتحاً على مراجعة بنيتها وصلاحياتها، وعلى ضمان تمثيل مصالح المجتمعات المختلفة، ومنع استخدامها لتثبيت مراكز نفوذ مغلقة.
أما على المدى الطويل، فإن تجاوز التوظيف السياسي للقبيلة يتطلب دولة عادلة، ومؤسسات فعالة، ونظاماً سياسياً يتيح المشاركة دون اشتراط الانتماء إلى جماعة بعينها.
من الاعتراف إلى المشروع
تضعنا مقولة الدكتور عبدالرحمن أبو خريس أمام قضية لا يجوز التعامل معها بالشعارات.
فالاعتراف بالواقع خطوة في فهمه، لكنه ليس مشروعاً متكاملاً لإدارته. والاستعانة بالإدارة الأهلية قد تكون ضرورة في بعض مسارات السلام، لكنها لا تعني أن القبيلة هي المدخل الوحيد للحل، أو أن قياداتها تستطيع وحدها تمثيل المجتمع.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً هو: كيف نستفيد من البنى الاجتماعية القائمة في إيقاف الحرب وحماية الناس، من دون أن نجعلها أساساً دائماً لتنظيم السلطة؟
كيف نعترف بالتنوع من دون أن نؤسس للتمييز؟ وكيف نحترم الإدارة الأهلية من دون أن نعفي الدولة من مسؤولياتها؟ وكيف نبني أحزاباً ومؤسسات وطنية قادرة على استيعاب المواطنين، بدلاً من دفعهم إلى البحث عن الحماية والحقوق عبر انتماءاتهم الأولية؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل تتصل مباشرة بمستقبل السودان، وبكيفية الخروج من الحرب إلى سلام مستدام، ومن التنافس على النفوذ إلى التنافس على البرامج، ومن تعدد الولاءات السياسية والاجتماعية إلى مواطنة تحمي الجميع.
إن تجاوز القبيلة بوصفها أداة للفرز السياسي لا يبدأ بإقصائها من المجتمع، وإنما ببناء دولة تجعل الانتماء إليها الاجتماعية حقاً طبيعياً، وتجعل المواطنة أساس الحقوق، وتجعل القانون مرجعية الجميع.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم الذي تستحق مقولة الدكتور أبو خريس أن تنتهي إليه: هل نريد إدارة القبيلة داخل الدولة، أم بناء دولة تستطيع إدارة التنوع من دون أن تصبح القبيلة بوابتها الإلزامية؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين معالجة واقع قائم، وبناء مستقبل مختلف.
