عبد الله علي إبراهيم يكتب: الصحافة: في المهنية حياة لكم يا أولي الألباب

الصحافة: في المهنية حياة لكم يا أولي الألباب

عبد الله علي إبراهيم

(هذا من أرشيف عمودي “ومع ذلك” بجريدة الأحداث. وهو عن حادثة اعتقال الصحفي أبو ذر الأمين، المحرر بجريدة “رأي الشعب” لسان حال المؤتمر الشعبي في يوليو 2010.

عبد الله علي إبراهيم يكتب: عن الرزيقات والنوايبة: أصيل الإدارة الأهلية

وانتخبتها لأمرين. الأول لأن كلمتي دعت إلى مهنية صحفية في التحقق لم تلتزم بها “رأي الشعب” بغير القول بجواز محاكمة أبو ذر بالطبع. وأردت بها تعليقاً من طرف خفي لما أراه من فشو عادة الضرب بتقاليد المهنية الصحفية في يومنا فشواً كبيراً، بل ورواج سوقها في بلد محترب. والثاني ليرى القارئ السهولة التي يتهم المعارض فيها الدولة بامتلاك السلاح النووي أو استخدامه)

قال رجل شفيف ساءه الغلو في نقد بعضهم لمانشيت في هذه الجريدة عن قتلى من الجيش وحركة خليل إن الصحفيين الذين تطعنون في مهنيتهم يكتبون عن القتلى “ثم يدفنون رؤوسهم قبل القتلى في الوسائد”. هذه عبارة بليغة في شروط الإنتاج الصحفي في بلدنا صبرنا عليها منذ آخر عقد التسعينات حين بدأت الصحف غير الحكومية في الصدور. وقلنا الكسب الأكبر هو تعطيل “تأميم” الصحف وحق الإصدار المتعدد لها.
وكان لمناضلي الخارج رأي سيء فينا. أذكر قولهم لما كتبت بصورة راتبة لصحيفة “الصحافي الدولي” إني قد سال لعابي لمال الإسلاميين. ولما توقفت الصحيفة كانت مدينة لي بنحو 13 مليون جنيه. وأصبحت الصحف في الداخل حقيقة من نوع ما. فأقبل الشانئون لنا يكتبون فيها (لمّا عدموا المنافذ) على فهم لينيني للصحيفة كأداة للتحريض والتأجيج والتعبئة. فإذا نَشَرت لهم كَسِبوا وإذا غلبها من النشر الشديد القوى أذاعوا مقالهم وعليه شهادة ضبط الجودة الثورية “حظر نشره”. وهذه حجة وتجرة.
واضح حتى قبل أن أمضي قدماً أن هذه زاوية باردة للكتابة عن موضوع الأستاذ أبو ذر محمد الأمين. وستكلفني نذر الاحترام التي تبقت لي عند اليسار الجزافي الزعَّاق. ويؤسفني بالطبع أن يكون أبو ذر وصحبه في السجن بعد نشر المقال المعروف. وقطعت نياط قلبي مذكرة زوجته عن حاله. ومن فرط أسفي أقول لو كنت رئيساً (أو مديراً) لتحرير “رأي الشعب” لعبرت عن إعزازي له وصوني بأن أرجأت نشر مقاله ليبقى على رأيه حتى يتأكد من مصادره الموصوفة ب “مصدر ذو وزن” أو ذاك الذي “نقل عن الرئيس البشير” أوغيرها ويفلفل قصتهم فلفلة يتأكد أنها لم تتقصد الوقيعة بين الرئيس والأستاذ على عثمان لا غير. وكنت طلبت من ابو ذر بالذات أن يقيم بينة أفضل عن المشروع النووي الإنقاذي المشترك مع إيران. فاقتصار برهانه على قول الرئيس إنه يريد إدخال الطاقة الذرية إبعاد في النجعة.
وددت لو أن كل الدوائر، الأمن والقضاء والصحافة والمعارضون، توقفت عند عنصر المهنية في الشغل الصحفي موضوع القضية. فلربما خرجنا، متى تأنينا عند آداب المهنة لا نزاع الإسلاميين المعاد، بتربية في الديمقراطية تطبعنا على التحقق والصبر عليه كعادة ثقافية.
لو احتكمنا للمهنية لأنعقدت محكمة أميز ل”رأي الشعب”. وأحكي لكم هنا عن قصة جودث ميللر التي فقدت في 2005 وظيفتها في النيويورك تايمز لشططها المصدري بعد 30 عاماً من الخدمة. وهي صحفية ليست غريبة على السودان. فقد كتبت بسفه كثير عن الدكتور حسن الترابي ككابوس مما نشرته في “الناطقون باسم المحتقرين: زعماء الأصولية في الشرق الأوسط” وإلى هذه الصحفية ربما نرد قيام حرب العراق. فقد وقعت ضحية مصادر مشبوهة لتدفع بقوة بحكاية وجود أسلحة دمار شامل في العراق. أو أنها رغبت في ذلك. ومن مصادرها أحمد الجلبي المعارض العراقي لنظام صدام. وكانت روايتها هي التي استشهد بها أقطاب النظام مثل كولن باول للترويج لغزو العراق. ثم تورطت في قصة الكشف عن هوية فاليري بالم، العميل السري للسي اي آي، في نفس سياق أسلحة الدمار الشامل مما يطول شرحه. ورفضت الكشف عن مصادرها ثم انحنت للعاصفة. ودافعت عنها الصحيفة هوناً حتى أصبحت عبئاً معنوياً عليها فأعفتها.
أتمنى أن تتحول مناشداتنا للحكومة بالصفح عن ابو ذر وغضباتنا عليها إلى نظر في المهنية التي من وراء ذلك كله. وقد حجبت سرية المحاكمة أكثر هذا. ونأمل أن تسود الحكمة المنشودة نترقى بها في المهنة ونتخلق بعادة الديمقراطية. وباب ذلك واسع.

Exit mobile version