عن الرزيقات والنوايبة: أصيل الإدارة الأهلية
عبد الله علي إبراهيم
(على طول معاقرتي لموضوع الإدارة الأهلية لم أعرف أن “الأهلية” في الإدارة الأهلية من صنع المؤرخ والفقيه القانوني والصحافي البريطاني هنري مين. وذكرني هذا بعبارة نافذة لسلمان رشدي قال إن الإنجليز يجهلون تاريخهم لأنه حدث في غير إنجلترا. وبدا لي أننا نجهل أنفسنا لأنها حصلت في غير السودان)
ملخص
(بدا كأننا نشهد أفول شمس مواطنة الأهالي والأعراف كما أراد لها الوليد مادبو. فلم تخضع الإدارة الأهلية والمواطنة الرعية في الدولة لمناقشة جدية منذ حلها الحداثيون عام 1971 في أيام حكم الرئيس نميري الباكرة (1969-1985) في غير ما وقت. وكانوا أخذوا عليها ما أخذه الدكتور محمود ممداني منذ بواكير الحركة الوطنية، غير أن الدكتور الإداري يوسف تكنة وفر لنا بكتابه “دارفور: صراع السلطة والموارد: دراسة في السياسة والحكم والإداري” (2013) نظرة لوقائع هذه الإدارة في دارفور خلال حربها منذ 2003 ليخلص إلى أنها في السكرات).
عقد منذ نحو أسبوعين بطن النوايبة من قبيلة الرزيقات مجلساً في الهواء الطلق أعلن فيه 24 عمدة منهم خروجهم على نظارة الرزيقات التي يقوم عليها الناظر محمود مادبو. والرزيقات من ذروة أهل شرق دارفور وحاضرتها مدينة الضعين. وهي القبيلة التي يراها كثير من الناس حاضنة لقوات “الدعم السريع”. فيكفي انتماء محمد حمدان دقلو زعيم الدعم نفسه إلى أولاد منصور من الماهرية الذين هم الرزيقات. وشوهد الناظر نفسه داعية لقومه إلى نصرته. ولم تزِد النوايبة عن إعلان قصير خلا من التفصيل. فقالت إنهم بذلوا قصاراهم للبقاء تحت نظارة مادبو فما أجدى تنازلهم لحفظ بيضة النظارة. وجددوا في مؤتمرها العهد لـ”حميدتي” بأنهم ثابتون على الولاء لـ”الدعم السريع” بالنفس والنفيس للقضاء على دولة 56.
جاء الخبير الحوكمي الوليد مادبو، وهو من أسرة النظارة في شعب الرزيقات، إلى مفاصلة النوايبة عن ناظرهم ليقرر إن المسألة أكبر من ظاهرها كشأن بين بيوتات وقبائل. فهي عنده عمن يملك حق معالجة المسألة، الأهل أم المؤسسة، أي الدولة؟ فينظر النوايبة إلى الناظر بمكانته الأهلية، في قوله، على أنه صاحب سلطة على الدولة ليحمل مظلمتهم إليها ويرد الحقوق. فإن أبطأ أو عجز اكتفوا بتعييب قصوره في حين الالتباس أعمق وهو بين الإدارة الأهلية والدولة الحديثة. وسأل ماذا نفعل حين تكون المشكلة سياسية (في حال مشكلة النوايبة كما من ظاهر النص) بينما الأداة التي نملك لمعالجتها أهلية؟ ولم يخطئ الوليد أياً من النوايبة أو الناظر. فالخلل الحقيقي في رأيه في النظام السياسي لأنه لم يحسم العلاقة بين الشرعية الأهلية والسلطة المؤسسية. ففي الدولة الحديثة يرفع المواطن مظلمته إلى الدولة مباشرة ولكن حين تكون الدولة معطلة تجده يلجأ إلى الشيخ بما تصير به القبيلة منافساً للدولة، علماً أن القبيلة ليست جهازاً إدارياً للدولة لأنها تستمد شرعيتها من العرف، بينما تستمد الدولة شرعيتها من القانون. فما تعلق بالشأن داخل القبيلة فالعرف كفيل به. أما إذا كان عن مظلمة سياسية، فالدولة هي المرجع النهائي. والناظر مجرد وسيط لا يحل ولا يربط. وبالنتيجة ينتقل احتجاج مثل النوايبة من مجال الدولة إلى المجال الأهلي. والالتباس في قوله قديم. ترك به النظام السياسي السوداني الإدارة الأهلية والإدارة الحديثة يسيران في خطين متوازيين لعقود. فيحمل الناظر مضطراً للدولة مظلمة تتجاوز قدرته، فينشأ الخلاف الأهلي إن لم يرد المظلمة. فلا لوم على مثل النوايبة وهم أهل مظلمة ولا على الناظر لأن الأمر ليس بيده. فاللوم على الدولة التي لم تضع حداً واضحاً بين الوساطة الاجتماعية والاختصاص السياسي. فالناظر جسر بين جماعته والدولة لا طريقاً. وشدد الوليد على أن المواطن في الدولة الحديثة لا يحتاج إلى الوسيط الأهلي ويكفيه “أن يكون مواطناً” ملجأه القضاء متى ما أصابه أمر مثلاً. وعليه أن ينأى عن تحويل “كل مظلمة سياسية إلى مسألة أهلية”، فالمشكلة في قراءته لنص النوايبة والناظر هي “متى تكون القبيلة إطاراً اجتماعياً، ومتى تكون الدولة مرجعاً سياسياً؟ فالدولة الحديثة “لا تبنى بإلغاء الأهل، وإنما بتحرير الأهل من دون الاضطرار إلى القيام بوظائف الدولة”.
جاء الوليد لمفاصلة النوايبة عن نظارة الرزيقات بما قد نبدأ به نظراً لم يسبق لنا للإدارة الأهلية على أنه لم يعرض موضوع الخلاف نفسه علينا كما لم يفعلوا هم. وبغض النظر، فواضح أن مطلب النوايبة كان سياسياً مما صح طلبه لا من الإداري الأهلي، بل من سدة الدولة لو كانت على الجادة من أمرها، غير أنه قال بـ”الحداثة” و”الأهلية” بغير نظر نقدي للمصطلحين في خطاب الإدارة الاهلية العائد للدولة الاستعمارية التي لم تغير النظم الوطنية العاقبة منها كثير شيء. فلم تخلق الإدارة الأهلية ليطلب أي من تحتها مسألته من الدولة الحديثة بالغاً ما بلغت. فهو، حقوقياً، رهين الإدارة الأهلية لا فكاك. ومتى طلب مستقلاً من الدولة أمراً محدثاً خرج من الإدارة الأهلية عرف ذلك أو لم يعرف.
كانت الأهلية والحداثة موضوع كتاب ذاع لأستاذ علم السياسة الدكتور محمود ممداني عنوانه “مواطن ورعية: أفريقيا المعاصرة وتركة الاستعمار الأوروبي المتأخر” (1996) غير أفهام الناس للمواطنة في البلد المستعمر. فالسياسات والممارسات حول الإدارة الأهلية، في قول ممداني، قائمة على مقولات أيديولوجية متى فككناها صح علمنا بهما أكثر. فـ”أهلية” التي في “الإدارة الأهلية” ليست من “أهل” العربية المحايدة كما شاع الفهم منها، بل هي من “native” التي هي اسم الأوروبي لمن خضع لاستعماره. وكان أول من أدخلها في قاموس أوروبا المؤرخ وفقيه القانون والصحافي البريطاني هنري مين بعد ثورة الهند عام 1857 على الإنجليز. وخلص إلى أنه إذا كان قوام الأوروبي الحداثة، فليس القائم على أمرهم من المستعمَرين كذلك. وإذا كان وثاق الأوروبي هو التاريخ والقانون، فما يشد الأهالي بعضهم إلى بعض، من الجانب الآخر، فهو الجغرافيا والأعراف. وكان ميلاد الإدارة الأهلية (native administration) من عقيدة هنري مين تلك. وساقت العقيدة إلى تحول مقاصد الاستعمار 180 درجة: فتحول إلى الإدارة الأهلية في تدبير أمر المستعمرين بعد أن كان طلب خلال أول عهده أن يتدامجوا فيه على شرعة الإمبراطورية الرومانية في استيعاب من خضعوا لهم فيها. وانتهى الأوروبيون إلى اصطناع “القبائل” (كوحدة إدارية لا أرومية) فيهم ليسلس قيادهم في منزلة الدونية كجماعات إثنية أزلية خالصة حبيسة تقاليد صماء. فأسدى السبل لإدارتهم هي أن تعتزلهم في إدارتهم الأهلية يعمهون في أعرافهم.
فليس يصح إلقاء المعاذير للنوايبة وناظر الرزيقات إذا صح أن مطلب الأوائل كان مما اقتضى المثول أمام محكمة للدولة الحديثة كما جاء عن الوليد. فبحرف تقاليد الإدارة الاستعمارية لا النوايبة أهل لمثل هذه الشكوى ولا الناظر جهة الاختصاص في رفعها للدولة. ولا يغرنك أننا قد حصلنا على الاستقلال الذي غادرنا به مقولة “مواطن ورعية”. فلا يرى الوليد نفسه في مقالته وهذه وغيرها تغييراً طرأ على هذه العلاقة بالاستقلال. فقال في مقالة أخيرة أن المركز الحديث قصر علاقته بالهامش، ميدان الإدارة الأهلية، على استنفاره كقوة مساندة لغرضه لا شريكاً سياسياً. ولما طالبت هذه الهوامش بموقع سعى إلى إخضاعها بما في ذلك شن الحرب عليها، أي حرب اليوم، بل برمج مادبو لهامش الرعايا هذا أن يطلب هذا الموقع الحديث في الدولة بالانتقال من محطة من “من معنا ومن علينا؟” في يومنا إلى سؤال “أية دولة نريد؟”. فيتجاوزون الاستنفار القبلي إلى التنظيم السياسي، ويبنون المؤسسات بدلاً من مجرد حماية مواقعهم الاجتماعية، بعبارة، عليهم امتلاك مشروع للحكم لا انتظار إشارة المركز. فالقوة التي لا تسندها رؤية سياسية تتحول في النهاية إلى ورقة في يد من يجيد لعبة المساومات.
ربما لم يطرأ هنا لمادبو أن في خواتيم المشروع الذي أذاعه إنهاء الإدارة الأهلية كما عرفناها. فالحداثة التي جعلها هدف الأهالي في هبّتها الحالية ضد الدولة هي تحديداً ما قامت الإدارة الأهلية للحيلولة دونهم ودونها.
وبدا كأننا نشهد أفول شمس مواطنة الأهالي والأعراف كما أراد لها مادبو. فلم تخضع الإدارة الأهلية والمواطنة الرعية في الدولة لمناقشة جدية منذ حلها الحداثيون عام 1971 في أيام حكم الرئيس نميري الباكرة (1969-1985) في غير ما وقت. وكانوا أخذوا عليها ما أخذه ممداني منذ بواكير الحركة الوطنية، غير أن الدكتور الإداري يوسف تكنة وفر لنا بكتابه “دارفور: صراع السلطة والموارد: دراسة في السياسة والحكم والإداري” (2013) نظرة لوقائع هذه الإدارة في دارفور خلال حربها منذ 2003 ليخلص إلى أنها في السكرات. فتحالفت ظاهرتان لإضعافها حد الضعف. فبالحرب سطع نجم العقداء حملة السلاح منافسين للإداري الأهلي. كذلك، اقتلعت الحرب طوائف من القبائليين من دورهم، أو حواكيرهم، بعيداً من نظارهم نازحين إلى أطراف المدن في بندرة مستكرهة. فلم يضعف الإداري الأهلي بمنافسة المسلح وحسب، بل زاد ضعفاً بانكماش جمهوره بالنزوح.
