عثمان ميرغني يكتب (هذا عبث بالقانون)..

زمان أيام دكتاتورية النظام السابق، وجدت فجأة أمامي في مكتبي رجال أخطروني بأنهم ينفذون أمر قبض صادر من نيابة أمن الدولة ضدي، وأخذوني إلى مقر النيابة.. بعد فترة من الحبس وجدت نفسي خاضعا للتحقيق تحت المادة “50” وتختص بـ(تقويض النظام الدستوري للبلاد) وعقوبتها الاعدام.

و بدأ التحقيق معي واستمر لاكثر من ساعة، لفت نظري أن وكيل النيابة كان يحاصرني بالأسئلة وهو يمسك عددا واحدا من صحيفة “التيار“، فقلت للمتحري بدهشة، هل كل جرائمي محصورة في هذا العدد فقط، ابتسم واجابني بكل شجاعة (لقد نفذوا أمر القبض قبل أن يحددوا الجريمة، ولضيق الوقت أرسلوا لي هذا العدد فقط من صحيفتكم لنبني عليه الاتهام)..

قرروا الاعتقال أولا، وحددوا له مادة في القانون عقوبتها الاعدام، ثم راحوا يبحثون عن أدلة للاتهام ولكن لان الاعتقال أصلا اكتمل فليس هناك وقت للبحث عن اتهام فاختاروا جزافا عددا واحدا من الصحيفة وتركوا للمتحري ان يصنع منها تهما!!

وقصة أخرى أكثر اثارة.. في يوم مشهود وجدت في مكتبي فجأة ستة من رجال المباحث يحملون الكلاشنكوف وهو يحيطون بي.. اخبروني بأني مطلوب للقبض بأمر وكيل النيابة في ولاية الجزيرة وانهم ينفذون الامر وسيحملوني معهم إلى مدني.. فعلا أخذوني من مكتبي بالخرطوم الى مدني، وباشروا اجراءات القبض في قسم مدني الأوسط، ثم أخذت الى مقر المباحث لقضاء الليلة هناك، و حضر المتحري واكمل الاجراءات ثم حضر وكيل النيابة واطلع على المحضر وأمر باطلاق سراحي بالضمان على أن أمثل أمام المحكمة.

عدت الى الخرطوم،ولكن بعد يومين فقط تكرر الأمر مرة أخرى، مجموعة من المباحث تلقي القبض علي ثم تأخذني الى مدني حيث يجري تنفيذ أمر القبض ثم التحري ثم وكيل النيابة و اطلاق سراحي بالضمان..
وبعد عودتي للخرطوم تكرر المشهد للمرة الثالثة، بنفس الترتيب، قبض ثم تحري ثم ضمان ثم اطلاق سراح لحين العرض امام القاضي..

في الثلاث مرات كان الاتهام واحدا في نفس التهمة، رسالة قاريء نشرتها “التيار” فيها انتقاد حاد لوالي الجزيرة.
في المرة الثالثة شرحوا لي الأمر، مكتب الوالي أصدر خطابا لجميع الوزراء بالولاية وجميع المعتمدين بمحليات الولاية أن يفتح كل منهم بلاغا في شخصي في نفس الموضوع، رسالة القاريء، باعتبار أنهم كقياديين في الولاية تضرروا من انتقاد الوالي، ولذا قرر كل منهم بصفته متضررا من النشر أن يفتح بلاغا منفصلا.. وقال لي أحد المسؤولين أن كل الوزراء ثم كل المعتمدين وربما بعدهم كبار الموظفين سيفتح كل منهم بلاغا و ينفذ أمر القبض (وعليه ستظل في ترحال مستمر بين الخرطوم ومدني الى أن يقضي الله أمر كان مفعولا..)

خلال هذه الفترة وصل البلاغ الأول للمحكمة وعقدت الجلسة الاولى، بعد يومين وجدت امرا من المحكمة للمثول أمامها للبلاغ الثاني، الذي هو نفسه البلاغ الأول، ويبدو أن القاضي لم يكن جزءا من هذه المسرحية السمجة.. فعندما مثلت أمامه نظر بدهشة للأوراق ثم سألني هل هذه هي نفس المادة الصحفية السابقة فأجبته بنعم.. غضب القاضي ووجه حديثه للمستشار القانوني لوالي الجزيرة وقال له بمنتهى الشجاعة عبارة لا تزال في ذاكرتي (هذا عبث بالقانون)..
ثم أكمل توجيهه لمستشار الوالي منبها انه لا يمكن الشكوى في نفس التهمة أكثر من مرة، وأنه سيضم البلاغين في بلاغ واحد لكنه لن يسمح ببلاغ اضافي..

عبارة (هذا عبث بالقانون) التي قالها القاضي الموقر في مدني كانت تختصر وتلخص عشرات البلاغات والاجراءات التي كنا نواجهها أمام النيابة و القضاء ولم تكن الا ضربا من اساءة استخدام القانون والعدالة أداة في لعبة السياسة..
أمس أصدر النائب العام لائحة اتهام ضد مجموعة من الساسة والصحفيين الذين ينتسبون لمجموعة “تقدم”، سألني المذيع في الفضائية ماذا لو سلموا انفسهم للنيابة امتثالا لطلبها.. قلت له، حينها ستبدأ النيابة في البحث عن التهمة..
تماما مثل ما حدث لي ..

التيار

Exit mobile version