منوعات

كيف قدمت السينما المصرية الفروق الطبقية في ليلة رأس السنة؟

  • ينطلق المذيع الشاب نادر سيف الدين (محمد هنيدي) وزميلته عفت الشربيني (حنان ترك) في فيلم “جاءنا البيان التالي” (2001) لسؤال الناس في الشارع عما تمثله لهم ليلة رأس السنة، فيشتكي له أحد المواطنين من أوضاعه بلا زوجة ولا مال، ومواطن آخر يقضي ليلته في مياه الصرف الصحي، ثم يلتقي سجينا في أحد السجون، ويعلق أنه والسجناء لا يزالون يعيشون في الألفية الأولى.

 هذا الفيلم من أهم أفلام هنيدي والمخرج سعيد حامد الكوميدية، وألقى الضوء برشاقة على كيفية معالجة الإعلام لمشاكل الفقراء، حيث يتم رفض التقرير التلفزيوني، فترفض عفت تغيير التقرير، بينما يوافق نادر على تصويره مرة أخرى ليوحي بأن المواطنين سعداء والليلة بهيجة، فيتغير التقرير كي يتحدث المواطن أنه لا يتمنى شيئا في العام الجديد لأنه حقق كل شيء بالفعل!

اثنين من المهمشين

من الكوميديا في “جاءنا البيان التالي” إلى ليلة من أهم ليالي السينما المصرية في فيلم المخرج عاطف الطيب والمؤلف رفيق الصبان والفنان نور الشريف ولبلبة في تحفتهم السينمائية “ليلة ساخنة” (1995)،  حيث تجمع الصدفة بين فتاة الليل حورية (لبلبة) وسائق التاكسي الفقير سيد (نور الشريف)، الذي يبذل قصارى جهده كي يجمع مبلغا من المال لعلاج أم زوجته الراحلة.

بينما حورية تبحث عن حقها الذي تم سرقته، وهي في أشد الحاجة لهذا المال لتنكيس البيت الذي تعيش فيه، ولا يهمها ما حولها من احتفالات لأن “ليلة رأس السنة للناس الرايقة مش لينا” على حد قولها، وتواجه حورية سيد بالحقيقة المرة “نعم يا سيد، احنا مش عايشين”.

كلاهما في سباق مع الزمن لتحقيق غرضهما، وسط ليلة صاخبة وأجواء احتفالية وأناس يبحثون عن المتعة والبهجة، حتى في أشد وأقسى الظروف، حيث نرى الممرضة وسط المرضى والأطباء؛ ترقص على أنغام أغنية جديدة لعمرو دياب في صالة استقبال المستشفى الحكومي الذي يفتقد أبسط الإمكانيات.

بينما أبطالنا من المهمشين يبحثون عن المال الزهيد والرغبة في الحياة، في فيلم يغمر المشاهد بالعواطف الصادقة ويطرح رؤية إنسانية خاصة -بدون أن يبتعد لحظة عن التشويق- لحياة فتيات الليل وسائقي التاكسي، ويتناول مفهوم تعدي الطبقات المهشمة على بعضها البعض (سائق رجل الأعمال يعتدي على فتاة الليل ويسرقها، الممرضة تطلب رشوة من سيد لعلاج قريبته)، أو السلطة عندما تفقد بوصلتها (سيد يتحول فجأة من مواطن شهم إلى متهم عند دخوله لقسم الشرطة لإبلاغه عن عثوره على حقيبة من المال)، كل هذا يجعل الفيلم من أمتع أفلام عاطف الطيب وأهم أفلام الليلة الواحدة في السينما العربية.

أرض الأحلام

عن التعلق بالوطن وأحلام السفر لأميركا وعلاقات الأمهات والأبناء، تقدم الفنانة فاتن حمامة فيلم “أرض الأحلام” (1993) للمخرج داود عبد السيد والمؤلف هاني فوزي، وهو قصة السيدة نرجس التي تستعد للسفر إلى أميركا لتلقي بابنها، لكنها تفقد جواز سفرها، وتلتقي ساحرا غريب الأطوار تخوض معه مغامرة خاصة.

ولا يزال الوطن حاضرا بقوة في قلب نرجس، وتقاوم بشراسة فكرة السفر إلى الولايات المتحدة، ويضيع جواز سفرها، وكان ذلك هو المنقذ لها كي لا تترك وطنها، هي حقا لا تريد أن تحصل على جواز السفر لأنها تخشى السفر، كما تريد رؤية ابنها المهاجر، وتنطلق فى شوارع القاهرة وسط احتفالات ليلة رأس السنة للبحث عن جواز سفرها المفقود.

وفي هذا الفيلم يطرح هاني فوزي وداود عبد السيد رؤيتهما عن أحلام الهجرة الواهية، والأمل في حياة سهلة وعيش آمن في السفر لأرض الأحلام المنتظرة.

سياسة وإرهاب وأشياء أخرى

في فيلم “ليلة البيبي دول” (2008) تتعدد القصص والحكايات خلال ليلة رأس السنة، حيث يعود حسام (محمود عبد العزيز) من الولايات المتحدة ‏الأميركية مع وفد أميركي ليقضي احتفال رأس السنة مع زوجته فيصطدم بواقع جديد.

وتتنوع القضايا التي يعرضها الفيلم، تساؤلات مختلفة عن الصراع العربي الإسرائيلي، علاقة العرب باليهود، الإسلاموفوبيا، أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الإرهاب، محرقة الهولوكوست، حرب العراق، وينتهي الفيلم بعملية إرهابية تستهدف فندقا خلال احتفالات العام الجديد.

ولم يحقق الفيلم النجاح المتوقع منه نقديا أو جماهيريا، رغم توفر الميزانية الضخمة والفنانين الكبار مثل محمود عبد العزيز ونور الشريف وليلى علوي، لكن السيناريو المزدحم بالأحداث والقصص الفرعية والإيحاءات الجنسية لم يجد الصدى المتوقع عند المشاهد.

المنتجعات السياحية

يأخذنا فيلم “رأس السنة” (2020) إلى أجواء الاحتفالات في المنتجعات السياحية الفاخرة بعيدا عن القاهرة الصاخبة، لكن ذلك لا يعني أن نبتعد عن الفوارق الطبقية. ينظم عدد من الشباب حفلا في قرية ساحلية للاحتفال بليلة رأس السنة، فنرى من خلالهم علاقاتهم المضطربة مع بعضهم وأسرهم وأصدقائهم.

وتتعدد القصص والحكايات، منها جولة تاجر المخدرات (إياد نصار) مع شاب ثري (أحمد مالك) في جولة للبحث عن المخدرات، وتأكيد الأول أن الطبقة الغنية بحاجة إلى الطبقة الفقيرة لتخدمها، أو استغلال عدد من الصديقات الثريات لشاب وسيم لتقديم خدمة خاصة لإحداهن.

وبين العلاقات غير المشروعة والمخدرات والظلم الطبقي، يقدم الفيلم طبقة عليا يعيش شبابها بين المخدرات والعلاقات الجنسية، وطبقة أدنى تقدم المخدرات للطبقة الأعلى أو تخدمها أو تتعرض لظلمها، ولم يحقق الفيلم -الذي منعته الرقابة في البداية وتم تأجيل عرضه- نجاحا ملحوظا.

كشف حساب

يرى الناقد الفني أندرو محسن أن أحد أبرز المفاهيم الشائعة ‏للتعامل مع ليلة رأس السنة مرتبط بفكرة “كشف الحساب”، الدخول ‏إلى مرحلة جديدة وبداية مختلفة والأمل بتحقيق طموحات في العام الجديد، فالتناول المصري لتلك الفكرة في الأفلام كان مناسبا جدا لعرض حالات ‏التناقض بين طبيعة كل طبقة، ورصد حياة المهمشين ومن لا تتغير حياتهم.

ويضيف أندرو -في تصريحات صحفية سابقة- أن أفلام السينما المصرية قدمت مشكلات الواقع خلال ليلة رأس السنة، ويتابع نرى بعض المهن تستغلها كفرصة لجمع ‏الأموال من المحتفلين، وآخرون لا يشعرون بالاحتفالات لكونهم غارقون في أزمات مادية واجتماعية، بينما ‏هناك فئة تحتفل وتنتظر اليوم بفارغ الصبر، وتظهر الفروق الطبقية ‏من خلال تعامل كل فرد مع اليوم عبر مشاهد فارقة لا تنسى. واعتبر ‏مثلا مشهد ليلة رأس السنة بفيلم “جاءنا البيان التالي” من المشاهد الكاشفة ‏والمهمة والذكية في هذا الصدد.

المصدر: الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تـابعـنا علـى واتـسـاب


اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى